×

المركاز… ذاكرةُ الزمان ونبضُ المكان

المقالات : علي ابن إدريس المحنشي

في الآونة الأخيرة عادت للمشهد الرمضاني صورةٌ أصيلة تُسمّى المركاز.
ليس تجمعاً عابراً، بل فضاءً ثقافياً حيّاً تتعانق فيه الحوارات الأدبية، وتُروى القصص التراثية، وتُقدَّم الأكلات الشعبية بوصفها ذاكرةً تُؤكل قبل أن تُذاق.
المركاز ليس مكاناً فحسب، بل معنى.
هو عودة إلى الجذور، وتأكيد على أن المجتمعات التي تحفظ ذاكرتها، تحفظ مستقبلها.
قال الله تعالى:
(وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ)
والتذكير لا يكون بالمواعظ وحدها، بل بإحياء القصص، واستحضار سير الأجداد، وربط الجيل الحاضر بجذوره الضاربة في الأرض.
وقال ﷺ:
(الكلمة الطيبة صدقة)
(متفق عليه)
وفي المركاز تُتداول الكلمة الطيبة، ويتعلم الصغير من الكبير أدب الحوار، وحسن الإصغاء، واحترام الرأي.
المركاز وأثره على الفرد
في زمنٍ طغت فيه الشاشات، يمنح المركاز للإنسان مساحة حضورٍ حقيقي.
يجلس، ينصت، يشارك، يتفاعل…
فيتربّى على:
فصاحة اللسان وحُسن التعبير.
وسعة الصدر للاختلاف.
والاعتزاز بالهوية.
والثقة بالنفس من خلال المشاركات.
المركاز يعيد للفرد توازنه الاجتماعي، ويُخرجه من العزلة الرقمية إلى دفء التواصل الواقعي.
المركاز وأثره على المجتمع
المجتمع الذي يملك مركازاً فاعلًا يملك منبراً للتوعية، وساحةً للحوار، ومظلةً للتقارب.
فيه تُناقش القضايا، وتُطرح المبادرات، وتُصاغ الأفكار التي تخدم الصالح العام.
قال تعالى:
(وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى)
والمركاز صورة عملية لهذا التعاون؛ إذ يجتمع الناس على الخير، ويختلفون بأدب، ويتفقون على مصلحة مجتمعهم.
أما الأكلات الشعبية التي تكون حاضرة فهي ليست طعاماً فقط؛
بل رسالة تقول: نحن أمةٌ لها مذاقها الخاص، وتراثها الذي يُحفظ في القدور كما يُحفظ في الصدور.
بين التراث والوعي
الجمال في المركاز أن يكون منضبطاً بقيم رمضان؛
ذكرٌ لا غفلة، ثقافةٌ لا جدل عقيم،
أصالةٌ لا تعصّب، وتفاعلٌ لا إسراف.
وفي الحكمة:
(الأمم التي تتحاور، لا تتحارب.)
وقال الشاعر:
نحيي التراثَ إذا التقينا مجلساً
فيحيا بنا. وتزهو به الأجيالُ

ختاماً
المركاز ليس مكانًا تُرتشف فيه القهوة فحسب بل مقامٌ تُرتّب فيه الأفكار، وتُصان فيه القيم، وتُروى فيه حكايات الرجال.
واصبح ظاهرة صحية تعيد للمجتمع روحه الثقافية، وتمنح الفرد انتماءً واعيًا، وتُثبت أن رمضان ليس شهر صيامٍ فحسب، بل شهر بناءٍ للفكر، وتجديد للصلة، وصناعة للمعنى.
فإذا اجتمع الناس على الأدب والذِكر والهوية، تحوّل المجلس إلى مدرسة، وتحول الشهر إلى مشروع نهضة اجتماعية.

بقلم الأعلامي والكاتب : علي ابن ادريس المحنشي

إرسال التعليق