×

مساحتك الآمنة

المقالات : علي بن إدريس المحنشي

في زمنٍ تتكاثر فيه الضغوط، وتتسع فيه دوائر التطفّل، بات بعض الناس يفتحون أبواب حياتهم على مصراعيها، فيدخلها من لا يقدّر، ويعبث بها من لا يحترم، حتى تتحوّل الأرواح إلى مساحاتٍ مستباحة، بلا حدودٍ تحفظ، ولا كرامةٍ تصان.

والإنسان الكريم لا يُطالَب بالقسوة، ولا يُدعى إلى الغِلظة، لكنه مأمورٌ أن يعرف قدر نفسه، وأن يصون روحه من الامتهان، وأن يضع للناس حدودًا عادلة تحمي دينه وكرامته وطمأنينته.

الكرامة أصلٌ شرعي

قرر الإسلام مبدأ الكرامة الإنسانية بوضوح، فقال تعالى:
﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ (الإسراء: 70)
فالكرامة ليست منحةً من البشر، بل عطيةٌ إلهية، ومن فرّط فيها فقد ظلم نفسه.

وقال سبحانه:
﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ (آل عمران: 139)
فالضعف الحقيقي ليس في اللين، بل في التفريط بالهيبة والقيمة.

التوازن في السلوك

علّمنا النبي ﷺ أن نكون أقوياء بلا ظلم، ولينين بلا خضوع، فقال:
«المؤمن القوي خيرٌ وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف» (رواه مسلم)
فالقوة هنا قوة النفس، وثبات الموقف، والقدرة على قول «لا» حين يجب أن تُقال.

كما قال ﷺ:
«لا يُلدغ المؤمن من جحرٍ واحدٍ مرتين» (متفق عليه)
فالعاقل لا يسمح بتكرار الأذى، ولا يجعل من طيبته جسراً لعبور المتلاعبين.

بين الطيبة والاستباحة

ليس كل صمتٍ حكمة، ولا كل تسامحٍ فضيلة؛ فبعض الناس إذا رأى منك حِلمًا تمادى، وإذا وجد منك سعةً تجاوز، حتى يعتاد الدخول بلا استئذان، والكلام بلا حساب، والأذى بلا اعتذار.

قيل: من لا يضع حدًّا لغيره، جعله غيره بلا حد.
وقيل: الاحترام لا يُطلب، بل يُفرض بالسلوك.

ويختصر المتنبي الحكمة بقوله:
إذا أنت أكرمتَ الكريمَ ملكتَهُ
وإن أنت أكرمتَ اللئيمَ تمرّدَا

رسالة

لا تُهدر هيبتك، ولا تجعل نفسك ساحةً مفتوحة لكل عابر.
كن واضحًا، هادئًا، ثابتًا.
سامح… دون أن تُهان،
وتجاوز… دون أن تُستغل،
وأحسن… دون أن تُفرّط في نفسك.

فالنفوس الراقية تُحسن، والنفوس الحكيمة تضع حدودًا، ومن عرف قدره… عرفه الناس.

ختامًا:
من احترم نفسه، علّم الناس كيف يحترمونه .

بقلم : علي ابن ادريس المحنشي

إرسال التعليق