فن الحوار
المقالات : علي بن إدريس المحنشي
في زمنٍ ارتفعت فيه الأصوات. وكثرت فيه الخصومات. صار الفرق بين الحوار والنقاش ضرورة أخلاقية قبل أن يكون مهارة فكرية.
فالحوار جسرُ وِداد. أما النقاش حين ينفلت من ضوابطه فيتحول إلى ساحة صراع يُراد فيها الانتصار للرأي لا الوصول إلى الحقيقة.
أولًا: الفرق بين الحوار والنقاش
الحوار هو تبادل الرؤى بقصد الفهم واحترام الاختلاف والبحث عن الصواب دون تعالٍ أو إقصاء.
أما النقاش : إذا خلا من الحكمة غلب عليه التحدي ويُقاس فيه الفوز بإسكات الآخر لا بإقناعه.
ثانيًا: الحوار في ميزان القرآن
جاء القرآن الكريم مؤسساً لثقافة الحوار داعياً إلى اللين والحكمة فقال الله تعالى:﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾
فالجدال المأذون به هو الذي يكون بالتي هي أحسن لا بالحدة ولا بالإساءة.
وقال سبحانه: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾
وهذا توجيه رباني بأن يكون الحوار رفيقاً حتى مع المخالف.
ثالثًا: الهدي النبوي في الحوار
كان النبي ﷺ أعظم الناس حواراً وأرقاهم أسلوباً يستمع قبل أن يُجيب ويحتوي قبل أن يُصحّح.
قال ﷺ:«ما كان الرفق في شيء إلا زانه. ولا نُزع من شيء إلا شانه»
رواه مسلم
وقال ﷺ : أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقًا
رواه أبو داود
والمراء هو الجدل العقيم الذي لا يُراد به إلا الغلبة لا الهداية.
رابعا: أثر الحوار في النفوس
الحوار يُنبت القبول ويصنع الثقة ويفتح القلوب قبل العقول.
أما النقاش الحاد فيُغلق الأبواب ويزرع العناد ويُحوّل الخلاف من فكرة إلى خصومة.
وقد قيل :إذا أردتَ أن تُقنع عقلًا فاخفض صوتك.
وإذا أردتَ أن تكسب قلباً فاخفض كبرياءك.
وقال الإمام الشافعي رحمه الله: ما ناظرتُ أحدًا إلا وددتُ أن يُظهرَ الله الحقَّ على لسانه
وقال أحد الشعراء: رأيي صوابٌ يحتملُ الخطأ
ورأي غيري خطأٌ يحتملُ الصواب
فهكذا تكون أخلاق الحوار تواضعٌ للفكرة قبل الانتصار للنفس.
خامساً: متى نُحاور ومتى نصمت؟
نُحاور إذا وُجد استعداد للفهم.
ونصمت إذا تحوّل الكلام إلى عناد.
فليس كل خلافٍ يُدار. ولا كل رأيٍ يُجادَل.
قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: لا تُجادل الأحمق. فيُخطئ الناس في التفريق بينكما.
ختاماً
حاوِر ولا تُناقِش
لأن الحوار حياةٌ للأفكار
والنقاش العقيم موتٌ للعلاقات.
حاوِر لتبنيَ لا لتغلب.
ولتصل. لا لتكسب جولة.
فالكلمة الحكيمة قد تغيّر قناعة.
لكن الخُلُق الرفيع هو الذي يغيّر الإنسان…
بقلم : علي بن أدريس المحنشي


تعليق واحد