حين يكون القرآن هو البرنامج
المقالات : د. عبدالكريم بكار
كثيرًا ما رأيتُ بيوتًا كانت الأم فيها لا تعرف القراءة ولا الكتابة، ولم تُكمل دراستها،
ومع ذلك وجدت أبناءها من أرقى الناس خُلقًا، وأحسنهم تربيةً، وأقواهم علمًا وهمةً.
خلاصة تجربتي بعد سنواتٍ من التأمل في التربية: برنامج واحد يصنع الفرق….
فكنت أتساءل في نفسي:
ما الذي فعلته هذه الأم وهي غير متعلّمة؟
وما أسس التربية التي اتّبعتها حتى يكون أبناؤها بهذا المستوى؟
ثم مع الزمن أدركت السر… فلم أعد أستغرب.
لقد اكتشفت أن هذه الأمهات كنّ يربطن أبناءهن بكتاب الله،
يحرصن على أن يلتزموا بحلقاتٍ لحفظ القرآن الكريم،
يحفظوه، ويعيشوا معه، ويستمدّوا منه قيمهم وسكينتهم.
وهذه خلاصة تجربتي في الحياة في هذا الباب.
ولذلك أصبحت أتأمل طويلًا في هذا السر، وأقول في نفسي:
ما البرنامج الذي يمكن أن يُحدث تغييرًا حقيقيًا في حياة الأبناء؟
ما الخطوة التي لو التزم بها الأبوان لكانت كفيلة بإعادة تشكيل شخصية أبنائهم من الداخل؟
ولو خُيّرت أن أوصي ببرنامجٍ واحدٍ فقط،
يكون له أثرٌ جوهري وثلاثي الأبعاد — في الفكر، والسلوك، والنفس —
لقلت دون تردّد:
أن تجعل ابنك من حَفَظة كتاب الله.
حين يعلن الأب والأم أن هدفهم هو أن يكون ابنهم حافظًا للقرآن،
ويضعان كل جهدهما وطاقتهما في هذا الطريق،
فإنهما يختاران أعظم برنامجٍ تربويٍّ عرفته البشرية.
القرآن لا يصنع حافظًا فحسب، بل يصنع إنسانًا مختلفًا:
يصنع عقلًا راجحًا،
ونفسًا مطمئنة،
وقلبًا حيًّا،
ولسانًا طيبًا،
وخلقًا راقيًا.
والأجمل في هذا البرنامج أنه لا يغيّر الابن وحده،
بل يعلّمه الانضباط، ويهذّب وقته،
ويخلق حوله مجموعةً من الأصدقاء من حفظة القرآن الذين يعينونه على الخير ويشدّون أزره.
راقبوا حَفَظة القرآن من حولكم،
ستجدونهم أهدأ الناس نفسًا،
وأكرمهم خُلقًا،
وأقواهم تركيزًا،
وأكثرهم التزامًا بالصلاة،
وأقلّهم تشتّتًا وضياعًا،
وفي معظم الأحيان تجدونهم من الأوائل على صفوفهم.
القرآن يهذّب، ويوازن، ويُثبّت،
ويمنح صاحبه وجهةً واضحة في الحياة.
لهذا أقول لكل أبٍ وأم:
ابدؤوا من هنا،
واجعلوا أول برنامج في بيتكم هو:
“مشروع حافظٍ لكتاب الله”.
فهو وحده المشروع الذي يُصلح القلب والعقل والبيت معًا.
ومن جعل القرآن مشروعَ بيته، جعله الله مشروعَ حياةٍ لا يعرف الضياع.


إرسال التعليق