العمى القلبي في زمن القرب الجغرافي
مقالات : علي بن إدريس المحنشي
في زمنٍ تتقارب فيه البيوت وتتشابك الأرواح في محيطٍ جغرافيٍّ واحد، تعيش بعض المجتمعات في جزرٍ معزولة داخل قلوبها، لا يرى أحدهم الآخر، وكأن بينهم جدارًا من الغِلّ لا يُرى، لكنه يَحجُب الضوء ويُطفئ الودّ. لقد طمس الحقد على أبصارهم، وسيطر الحسد على قلوبهم، فاختطف جمال النور من نفوسهم، وأحلّ الظلام مكانه.
قال الله تعالى:
{فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج: 46]
إنها ليست عَمى العيون، بل عَمى البصيرة، حين يُصبح الإنسان أسيرًا لكراهيةٍ تُغشي قلبه عن رؤية الخير في غيره. وقد حذّر النبي ﷺ من داء الحسد فقال:
“إياكم والحسد، فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب” [رواه أبو داود]
فما أفسد العلاقات، ولا مزّق الأُلفة، ولا فرّق الجيران والأقارب، إلا هذا الداء العضال الذي يجعل صاحبه يرى النعمة في يد غيره نقمة، ويتمنى زوال الخير بدلاً من أن يسعى في طلبه لنفسه.
وقال الحكيم ابن القيم رحمه الله:
“الحاسد عدوّ نعمة الله على عباده، يحب زوالها عنهم، والله سبحانه يكره ذلك، فلا تزال معاداة الحاسد لله متصلة.”
وما أجمل ما قال الإمام الشافعي رحمه الله:
وداريتُ كلَّ الناسِ لكنَّ حاسدي
مداراةَ حتّى قيلَ إنّك ظالمُ
ومَن ذا الذي يرضى سجايا جميعهمْ
كفى المرءَ نُبلًا أن تُعدَّ معائبُهْ
لقد علّمنا الإسلام أن نغرس في أرواحنا سلامة الصدر، فهي سرّ راحة البال وامتداد النور في الوجدان. قال تعالى:
{وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ} [الحجر: 47]
فما أعظم هذا المشهد القرآني، حين يصف أهل الجنة وقد طهرت قلوبهم من كل غلّ، فصار اللقاء بينهم صفاءً ومحبة.
إن المجتمعات لا تُبنى بالحجارة، بل تُبنى بالقلوب النظيفة، والنوايا الصافية، والعلاقات التي لا تسمح للحسد أن يتسلل إلى حواشيها.
وقال الشاعر:
إذا طابتِ النفوسُ زكا الزمانُ بها
وإن خبُثت، فالخيرُ يُطفَأ في المدى
فلنُعد النظر في دواخلنا قبل أن ننظر في مسافاتنا، فربما كان بيننا مترٌ من الأرض، لكن بين القلوب جبالٌ من الحسد والغلّ.
ومن أراد أن يرى النور في الآخرين، فليُطفئ أولاً ظلمة الكراهية في نفسه.
…
إننا في حاجةٍ ماسّة إلى أن نُطهّر قلوبنا قبل أن نُطالب بتغيير مجتمعاتنا، فالإصلاح يبدأ من الداخل، من صفاء السريرة قبل صفاء الصورة.
علينا أن نتذكّر أن الحسد لا يُطفئ نور غيرنا، بل يُحرق صاحبه أولاً، وأن الكراهية لا تبني جدارًا من العزّة، بل سجنًا من الوحشة.
قال الله تعالى:
{إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد: 11]
فلنبدأ التغيير من أنفسنا، من كلماتنا، من نظرتنا للآخرين، من قدرتنا على الفرح لهم كما نفرح لأنفسنا.
ولنستحضر ما قاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه:
إن أخاك من صافاك في السر والجهر، ومن يراك لا يغتابك، ولا يحسدك على نعمةٍ خصّك الله بها.
ومتى ما تصافَت القلوب، سكنت الأرواح، وأثمرت المجتمعات حبًّا و وئامًا.
فلتكن قلوبنا مرايا صافية تعكس النور، لا مرايا مكسورة تُشوّه الصور.
فالعمر قصير، والقلوب أوعية، فأملؤها بالخير قبل أن يسبقكم الوقت إلى النهاية.


إرسال التعليق