×

حين تتقدم الحكمة وتتكلم لغة المصالح

بقلم / أ : يحيى الفيفي

حنكة المملكة العربية السعودية في إدارة الملفات الكبرى

ليست الحنكة السياسية في اتخاذ المواقف الصاخبة، ولا في رفع سقف التصريحات، ولا في إغلاق أبواب الحوار، وإنما في القدرة على قراءة المشهد بكل تعقيداته، وتقدير مآلات الأحداث، واختيار التوقيت المناسب، وتحقيق المصالح الوطنية بأقل التكاليف الممكنة، مع المحافظة على الثوابت والسيادة والكرامة الوطنية.
ومن هذا المنطلق، تتجلى حنكة المملكة العربية السعودية في إدارتها للملفات الإقليمية والدولية؛ فهي دولة تدرك ثقلها السياسي والاقتصادي والديني، وتعرف أن أمنها الوطني لا ينفصل عن أمن الخليج والمنطقة، وأن حماية المصالح العليا تتطلب الجمع بين قوة الردع، ووضوح الموقف، وفاعلية الدبلوماسية.
الوفد السعودي إلى طهران.. دلالات تتجاوز حدود الزيارة.
تأتي زيارة الوفد السعودي إلى العاصمة الإيرانية طهران، برئاسة صاحب السمو الملكي الأمير خالد بن سلمان بن عبدالعزيز وزير الدفاع، يوم 26 أكتوبر 2026، وبمشاركة ممثلين من باكستان وتركيا، في إطار التحركات الرامية إلى خفض التصعيد، وتعزيز الحوار، ودعم الحلول الدبلوماسية للأزمة الإقليمية الراهنة. وقد أعلنت وزارة الخارجية السعودية أن الزيارة تأتي أيضًا دعمًا لجهود الوساطة التي تقودها قطر وباكستان.

إن قراءة هذه الخطوة بعين السياسة لا بعين الانفعال تكشف عن إدراك المملكة أن إدارة الأزمات لا تعني انتظار نتائج المواجهات، بل العمل على منع اتساعها، وفتح مسارات للتفاوض قبل أن تتضاعف الخسائر وتتسع دائرة الخطر.
فإرسال وزير الدفاع على رأس الوفد يحمل دلالة سياسية مهمة؛ إذ يجمع بين الحضور الأمني الرفيع والانفتاح الدبلوماسي، ويؤكد أن الحديث عن خفض التصعيد لا يصدر عن موقف ضعف، بل عن دولة تعرف قدراتها، وتدرك مسؤولياتها، وتريد أن تكون صاحبة تأثير في صياغة مستقبل المنطقة.
كما أن مشاركة باكستان وتركيا تمنح التحرك بُعدًا إقليميًا أوسع، وتؤكد أهمية التنسيق بين الدول المعنية بأمن المنطقة واستقرارها، بدل ترك الأزمات رهينة التصعيد المتبادل أو الحسابات الضيقة.
الحوار لا يعني التنازل.. والسلام لا يعني التفريط
من الخطأ الاعتقاد أن التوجه إلى الحوار مع دولة توجد معها خلافات عميقة يعني التخلي عن الحقوق أو التراجع عن الثوابت. فالدبلوماسية الناجحة ليست استسلامًا، بل أداة لإدارة الخلاف، وتقليص المخاطر، وانتزاع الضمانات، وحماية المصالح.
والمملكة، وهي تمد يدها إلى الحلول السياسية، لا تتخلى عن حقها في حماية أمنها وأراضيها ومقدراتها، ولا عن ضرورة احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها. بل إن نجاح أي مسار تفاوضي ينبغي أن يُقاس بما يحققه من نتائج عملية، وفي مقدمتها وقف التهديدات، ومنع الاعتداءات، وتعزيز الثقة، وترسيخ الأمن والاستقرار.
فالأوطان لا تُدار بالشعارات وحدها، وإنما بالقرارات المدروسة، والقدرة على الموازنة بين الحزم والمرونة، وبين متطلبات اللحظة وحسابات المستقبل.

إدارة الملفات.. رؤية تتجاوز ردود الأفعال

إن حنكة المملكة لا تتجلى في ملف واحد، بل في منهج يقوم على تنويع أدوات التأثير، وبناء الشراكات، وتعزيز مكانتها الدولية، والسعي إلى معالجة الأزمات من جذورها متى توافرت الظروف المناسبة.
ففي الملفات الأمنية، تبقى حماية الحدود والسيادة أولوية لا تقبل المساومة. وفي الملفات الاقتصادية، تمضي المملكة في تعزيز قدراتها وتنويع مصادر قوتها. وفي الملفات الإقليمية، تدرك أن الاستقرار يهيئ بيئة أفضل للتنمية، وأن الحروب الممتدة تستنزف الشعوب والاقتصادات، وتفتح الأبواب أمام التدخلات الخارجية.
ومن هنا، فإن التحرك الدبلوماسي لا يُفهم بمعزل عن بقية عناصر القوة؛ فالدبلوماسية تكون أكثر تأثيرًا عندما تستند إلى دولة قوية، ومؤسسات راسخة، وعلاقات دولية متعددة، ورؤية واضحة للمصالح الوطنية.

الخلاصة: الحكمة قوة حين تحمي الوطن

إن زيارة الوفد السعودي إلى طهران تقدم مثالًا على أن المملكة تسعى إلى التأثير في مسار الأحداث، لا الاكتفاء بمراقبتها؛ وإلى احتواء المخاطر، لا انتظار تفاقمها؛ وإلى فتح أبواب الحلول، دون التفريط في الحقوق أو الثوابت.
ومع ذلك، فإن القيمة الحقيقية لهذه التحركات لا تُحسم بمجرد انعقاد الاجتماعات أو صدور التصريحات، بل بما تسفر عنه من التزامات واضحة، وخطوات قابلة للتنفيذ، وضمانات تحول دون تجدد التصعيد.
وهنا تتجلى الحنكة السعودية في معناها الأعمق: قوة تحمي، وحكمة توازن، ودبلوماسية تتحرك، وقيادة تضع أمن الوطن ومصالحه العليا في مقدمة الأولويات.
فالمملكة لا تبحث عن التصعيد لذاته، ولا تقبل أن يكون السلام غطاءً للتفريط؛ بل تسعى إلى سلام يحفظ الحقوق، واستقرار يصون السيادة، وعلاقات تقوم على الاحترام المتبادل.
تلك هي السياسة حين تُدار ببصيرة: لا تجعل القوة بديلًا عن الحكمة، ولا تجعل الحكمة بديلًا عن القوة، بل توظفهما معًا لحماية الوطن وصناعة المستقبل.

بقلم الأستاذ / يحي بن حسن الفيفي

إرسال التعليق