×

ذكرٌ بالمولد.. رجلٌ بالمواقف

المقالات : مسعود الفيفي

كل الرجال ذكور، لكن ليس كل ذكر رجلًا؛ عبارة نقصد بها الرجولة في معناها الأخلاقي، حيث يكون الفارق في السلوك وتحمل المسؤولية، لا في العمر أو الهيئة. فالذكورة صفة يولد بها الإنسان، أما الرجولة فتشهد عليها اختياراته، وتكشف حقيقتها المواقف.

قد يكبر المرء سنًّا، وتتسع ثروته، ويرتفع صوته، ثم يعجز عن الوفاء بوعد، أو تحمّل مسؤولية، أو الاعتراف بخطأ. وقد يكون شابًّا قليل المال والمكانة، لكنه يحفظ الأمانة، وينصف من خاصمه، ويقف إلى جانب من احتاج إليه. عندها يظهر المعنى الذي نعنيه حين نقول: هذا رجل.

وقد أثنى الله على رجال اقترن ذكرهم بالصدق والوفاء، فقال تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: 23]. وفي هذا الثناء تتجلى قيمة العهد حين يصدقه العمل، ويثبت صاحبه عليه عند الاختبار.

وحين نتحدث عن الرجولة بهذا المعنى، فإننا نتحدث عن أخلاق تُكتسب وتُصان، ومسؤوليات يؤديها الإنسان حتى حين تثقل عليه. فالرجل يدرك أن لكلمته تبعات، ولقدرته حدودًا يرسمها العدل، ولمن حوله حقوقًا لا يجوز أن تصبح رهينة رضاه وغضبه.

وتبدأ هذه المعاني من البيت؛ حيث يعرف الأهل حقيقة الصبر، وطبيعة الخلق، وصدق الاهتمام. وقد قال النبي ﷺ: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي»، رواه الترمذي. فحسن العشرة، وصون الكرامة، والرفق عند الخلاف، شواهد يومية على معدن الإنسان، قد تكون أصدق من صورته التي يحرص على إظهارها أمام الآخرين.

ومن هنا، فإن من يستقوي على زوجته، أو يهين أبناءه، أو يأكل حقوق أخواته، يناقض بسلوكه ما يدّعيه من رجولة. فالقدرة على إخضاع الضعيف لا تدل على المروءة؛ وإنما تتجلى المروءة حين يأمن الضعيف جانب القوي، ويصل إليه حقه محفوظًا دون إذلال أو منّة.

وفي الخصومة يظهر اختبار آخر. فمن السهل أن يكون المرء كريم الخلق مع من يوافقه، لكن رجاحة عقله تتبين حين يغضب، وأمانته تُختبر حين يختلف. والرجل يحفظ للخصومة حدودها، فلا يفشي سرًّا اؤتمن عليه، ولا يختلق تهمة، ولا يجحد فضلًا سابقًا لمجرد أن الود قد انقطع.

وتُختبر الرجولة كذلك حين يكون الصدق مكلفًا، وحين يتطلب الوفاء تضحية، وحين يحتاج الاعتذار إلى تجاوز الكِبر. فقد تكون كلمة «أخطأت» أبلغ في الدلالة على قوة صاحبها من جدال طويل يحاول به تبرير ما لا يُبرَّر. ومن يتحمل نتيجة فعله، ويسعى إلى إصلاح أثره، يبرهن على نضج يستحق الاحترام.

ولا تعني الرجولة أن يخلو الإنسان من الخوف أو الحزن، أو أن يكتم ألمه دائمًا. للرجل أن يتألم ويبكي ويطلب العون؛ فهذه مشاعر بشرية لا تنتقص من قدره. وإنما تظهر مسؤوليته في طريقة تعامله معها، وفي حرصه على ألا يجعل ألمه ذريعة لإيذاء الآخرين أو التنصل من حقوقهم.

وهذه هي الفكرة التي ينبغي أن نغرسها في أبنائنا: أن الرجولة تُبنى بالصدق، وضبط النفس، واحترام الناس، والقيام بالواجب. وكلما رأوا هذه القيم في أفعالنا، أدركوا أن استحقاق الثقة أرفع من فرض الهيبة، وأن حفظ الكرامة يشمل كرامة الآخرين كما يشمل كرامتهم.

ولأن الجميع يخطئ، يبقى باب الإصلاح مفتوحًا؛ فلا زلة واحدة تختصر الإنسان، ولا مظهر حسن يمنحه شهادة دائمة. إنما العبرة بما يستقر عليه سلوكه، وباستعداده للرجوع إلى الحق كلما ابتعد عنه.

فالذكورة تُعرف عند الميلاد، أما الرجولة فتُعرف حين يحين الموقف.

بقلم رئيس مجلس ادارة صحيفة اصداء المناطق الإلكترونية

مسعود بن جابر جبران الفيفي

إرسال التعليق