×

هل أنا ضعيف إيمان؟

الكاريزما

المقالات : علي المحنشي

جملة يرددها كل إنسان ابتلي بأفكار وهواجيس لا تهدأ، ومخاوف تستنزف راحته وتثقل صدره. يقاومها نهاراً فلا يستطيع دفعها، ثم يزيد على معاناته ألماً حين يأوي إلى فراشه، يتهم نفسه بضعف الإيمان، وكأن عجزه عن إيقاف أفكاره دليل قاطع على تقصيره مع الله.

وهنا يبرز السؤال: هل كل من ضاق صدره قل يقينه؟ وهل المرض النفسي دليل على ضعف الإيمان؟

يقول الله تعالى على لسان يعقوب عليه السلام:
(إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ)

لقد حزن وبث شكواه إلى ربه، فلم يكن الحزن نقصاً في إيمانه، بل كان ألماً لجأ به إلى الله.

كذلك أيوب عليه السلام، حين مسه الضر، دعا ربه قائلاً:
(أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ)
فاستجاب الله له وكشف ما به من ضر، كما قال سبحانه وتعالى: (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ)

فابتلاء الأنبياء درس يعلمنا أن الألم لا يناقض الإيمان، وأن الصبر لا يعني إنكار الألم، وأن اللجوء إلى الله لا يمنع الإنسان من طلب العلاج.

وهنا يأتي الدرس الثاني من نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم:
(إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم). متفق عليه.

فليس كل خاطرة ذنباً، ولا كل فكرة حقيقة. فقد تهاجم الإنسان أفكار مزعجة وهواجيس لا يريدها، فيخاف منها ويظن أنه مسؤول عنها، فيزيد على خطأ التفكير فيها محاكمة نفسه بسببها، ويفسر أن كل ما يعانيه هو ضعف في إيمانه بالله، ويدخل في حالة من المرض النفسي.

والأشد إيلاماً وزيادة في معاناته، حين يأتي دور الأسرة والمجتمع، فيقولون له: لو كان إيمانك قوياً بالله لما شعرت بهذا.

فالمرض النفسي تتداخل في أسبابه عوامل كثيرة، وقد يحتاج صاحبه إلى علاج متخصص، تماماً كما يحتاج مريض الجسد إلى طبيب يداويه.

وليس في طلب العلاج ضعف في التوكل على الله؛ فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (تداووا عباد الله، فإن الله لم يضع داء إلا وضع له شفاء). رواه أبو داود.

فيا من تعيش هذه المعاناة، لا تجعل الأفكار التي تقتحم ذهنك حكماً على إيمانك، ولا تتردد في طلب المساعدة إذا أثرت في حياتك. تقرب إلى الله، وخذ بالأسباب، وأحسن الظن برحمته، فالتعافي قد يحتاج إلى وقت، وطلب العون شجاعة لا عيب فيها.

فالرفق الرفق بمن أثقلتهم الهموم، ونكف عن إطلاق الأحكام على ما لا نعلمه من معاناة الآخرين؛ فقد تكون كلمة رحيمة سبباً في تخفيف ألم، بينما تترك كلمة قاسية جرحاً لا يندمل.

ختاماً…
اللهم طمئن القلوب القلقة، واشرح الصدور الضائقة، وخفف عن كل مهموم، وارزق المرضى الشفاء والعافية، ولا تجعل آلامنا باباً للقنوط من رحمتك، يا رحمن يا رحيم.

بقلم الكاتب ولإعلامي : علي ابن ادريس المحنشي

إرسال التعليق