اليمن.. وضوح الرؤية ووحدة المصير
المقالات : علي الفيفي
بعد أكثر من عقد من المعاناة، يحتاج اليمن إلى موقف وطني يستوعب دروس السنوات الماضية، ويضع مصلحة شعبه فوق الانقسامات والمصالح الشخصية. فقد دفعت الأسر اليمنية أثمانًا باهظة، وأصبح استعادة الأمن ومؤسسات الدولة وصون الكرامة مطلبًا لا يحتمل مزيدًا من التأجيل.
لقد كانت هذه السنوات كفيلة بأن تمنح اليمنيين فرصة أوسع لتمييز المواقف، ومراجعة الوعود على ضوء الأفعال؛ فالصداقة تُقاس بما تقدمه للإنسان واستقرار وطنه، والمشروعات السياسية تُختبر بقدرتها على حماية الحقوق وبناء المؤسسات. وحين تتقاطع المصالح وتتعدد الأجندات، يبقى السؤال الأهم: ماذا تحقق لليمن وأهله؟
ومن هنا، فإن الوعي الوطني يقتضي رفض توظيف معاناة الناس لتحقيق مكاسب شخصية، ومساءلة من قدّم مصلحته على المصلحة العامة. أما اتهامات الخيانة، فلا ينبغي أن تتحول إلى أحكام تُطلق على المختلفين؛ فالمحاسبة العادلة تقوم على الوقائع والأدلة، وتحفظ للمجتمع قدرته على تجاوز الانقسام.
وفي مسار استعادة الدولة، تبرز أهمية الاستفادة من دعم دول الجوار ومساندتها، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، انطلاقًا من روابط اللغة والدين والجوار والمصير المشترك، وما يربط أمن اليمن بأمن محيطه. فهذه الروابط تتيح أساسًا للتعاون في دعم السلام والتعافي وإعادة البناء، بما يحترم السيادة اليمنية ويعزز قدرة مؤسسات الدولة على أداء مسؤولياتها.
إن استقلال القرار الوطني يتعزز بعلاقات واضحة ومتوازنة، يعرف فيها اليمنيون غايات التعاون ونتائجه، ويكون معيارها خدمة المواطن وحماية البلاد. والمساندة التي يحتاجها اليمن هي التي تساعده على النهوض بمؤسساته، وتوسيع فرص العمل، وتحسين الخدمات، وتهيئة أسباب العودة الآمنة للنازحين.
وفي المقابل، فإن أي تدخل خارجي يغذّي الانقسام، أو يدعم بقاء السلاح خارج مؤسسات الدولة، أو يجعل اليمن ورقة في صراع إقليمي، يستوجب موقفًا وطنيًا واعيًا؛ مهما كانت الشعارات التي يُقدَّم بها. فمصلحة اليمن يجب أن تبقى فوق مصالح القوى والجماعات والأفراد.
والمطلوب اليوم أن تتحول دروس المعاناة إلى إرادة تجمع اليمنيين حول أولويات واضحة: حماية الأرواح، وتغليب الحوار، والمطالبة السلمية بالحقوق، وبناء دولة عادلة يتساوى مواطنوها أمام القانون. فالوحدة الوطنية تتسع لتعدد الآراء، وتمنع أن يصبح الاختلاف بابًا للإقصاء أو الاقتتال.
لقد آن لليمنيين أن يجعلوا ما كشفته السنوات أساسًا لحسن الاختيار، وأن يستثمرون مساندة الأشقاء في بناء مستقبل أكثر أمنًا واستقرارًا. يستحق اليمن أن تكون مصلحة أبنائه هي البوصلة، وأن تثمر تضحياتهم دولة تحميهم، وسلامًا يطمئنون إليه، ووطنًا يتسع لهم جميعًا.
بقلم : علي هادي يزيد الفيفي



إرسال التعليق