×

وطنٌ لا تنال منه التحديات.. ولا تكسر عزيمة أبنائه

المقالات : يحي الفيفي

الأوطان العظيمة لا تهزّها العواصف، ولا تنال من عزيمتها التحديات، ولا تُضعفها محاولات الاستهداف ما دام أبناؤها على قلب رجل واحد، يجمعهم الولاء، وتوحدهم المسؤولية، وتحكمهم إرادة صلبة لا تعرف التراجع أمام ما يمس أمن وطنهم وكرامته واستقراره.
والمملكة العربية السعودية ليست مجرد أرض نعيش عليها، بل هي وطن راسخ الجذور، عظيم المكانة، شامخ التاريخ، قامت وحدته على التضحيات، وترسخت مكانته بعزيمة رجاله، وأصبحت المحافظة على أمنه واستقراره واجبًا وطنيًا لا يقبل التهاون أو المساومة.

إن الوطن حين يكون مستهدفًا، لا مجال للمواقف الرمادية، ولا مكان لمن يجعل الخلافات الشخصية أو المصالح الضيقة مقدمة على المصلحة الوطنية. فالوطن فوق الجميع، وأمنه خط أحمر، وسيادته مصونة، والوقوف معه مسؤولية لا تسقط عن أحد.

إن الولاء الحقيقي لا يُقاس بارتفاع الأصوات، ولا بكثرة الشعارات، بل يظهر عند الشدائد، حين تتقدم المسؤولية على المصلحة، ويتقدم الوعي على الانفعال، وتعلو مصلحة الوطن فوق كل اعتبار. فالمواطن الصادق هو الذي يحمي وطنه بكلمته وموقفه وعمله، ويصون وحدته، ويرفض أن يكون أداة في يد من يسعى إلى بث الفرقة أو زعزعة الثقة أو إثارة الفتن.

وإذا كانت القوات المسلحة ورجال الأمن يقفون في ميادين الشرف دفاعًا عن الوطن وحماية لمقدراته، فإن بقية أبناء الوطن يقفون معهم بوعيهم والتزامهم وتماسكهم، وبالابتعاد عن الشائعات، واستقاء الأخبار من مصادرها الرسمية، وعدم منح أعداء الوطن فرصة لتحقيق أهدافهم عبر التضليل أو إثارة الخوف والبلبلة. فالمعركة مع التحديات لا تُحسم بالقوة وحدها، بل يحسمها أيضًا وعي المجتمع وصلابة جبهته الداخلية.
ولعل أخطر ما يمكن أن تواجهه الأوطان ليس التهديد الخارجي وحده، بل أن تتسلل الفرقة إلى داخلها، وأن تتحول الاختلافات الطبيعية بين أبنائها إلى خصومات، أو تصبح وسائل التواصل ساحات للتشكيك والتنازع وتبادل الاتهامات. وهنا تبرز قيمة وحدة الكلمة واللحمة الوطنية؛ فالشعوب المتماسكة أقدر على مواجهة الأزمات، والمجتمعات الواعية أكثر حصانة أمام محاولات الاستغلال والاستهداف.

نحن أبناء وطن واحد، مهما اختلفت آراؤنا، وتباينت مستوياتنا التعليمية وتجاربنا الحياتية، وتعددت مناطقنا وقبائلنا وانتماءاتنا الاجتماعية. يجمعنا ديننا وهويتنا ومصيرنا المشترك، وتربطنا بهذه الأرض علاقة تتجاوز المصالح العابرة والخلافات المؤقتة. فلا ينبغي أن نسمح لاختلاف في الرأي أن يفسد الود، ولا لخلاف شخصي أن يضعف روابطنا، ولا لخبر غير موثوق أن يزعزع ثقتنا أو يثير بيننا الشكوك.
إن قوة الوطن ليست في أن يتشابه أبناؤه في كل شيء، بل في أن يتوحدوا حين يتعلق الأمر بأمنه، وأن يختلفوا دون أن يتفرقوا، وأن يتحاوروا دون أن يتنازعوا، وأن يجعلوا مصلحة وطنهم فوق كل خلاف.

كما أن الاعتزاز بالقبيلة والأسرة والمنطقة لا يتعارض مع الولاء الوطني، بل يزداد قيمة حين يكون جزءًا من نسيج وطني متماسك، تسوده المحبة والتكافل والإصلاح، ويقف أبناؤه جميعًا تحت راية الوطن، لا تفرقهم الأسماء ولا تحكمهم العصبيات، وإنما تجمعهم المواطنة الصادقة والمسؤولية المشتركة.
إننا اليوم أحوج ما نكون إلى كلمة مسؤولة، وموقف واعٍ، وصف متماسك؛ فلا نكون عونًا لمن يريد إضعافنا، ولا نمنح الشائعات مساحة لتفريقنا، ولا نجعل من الانفعالات العابرة مواقف تُحسب على وعينا ووطنيتنا. فليس كل ما يُقال يستحق الرد، وليس كل ما يُنشر يستحق التصديق، وليس كل اختلاف يستحق أن نخسر من أجله أخًا أو صديقًا أو قريبًا.

إن الدفاع عن الوطن يبدأ من داخل الإنسان: من ضميره، ووعيه، وصدقه، وإخلاصه في أداء واجبه. يبدأ من أسرة تربي أبناءها على الانتماء والمسؤولية، ومن معلم يغرس قيم المواطنة، ومن مسؤول يؤدي أمانته، ومن إعلامي يتحرى الحقيقة، ومن مواطن يدرك أن أمن وطنه واستقراره ليسا شأنًا يخص الآخرين وحدهم، بل أمانة في عنق الجميع.
وسيبقى الوطن أكبر من كل خلاف، وأقوى من كل محاولة للفرقة، وأغلى من كل مصلحة شخصية. فمن أراد لهذا الوطن خيرًا فليكن عنصر بناء لا هدم، وجسرًا للتآلف لا بابًا للنزاع، وصوتًا للوعي لا صدى للشائعات.
إن المملكة العربية السعودية تستحق من أبنائها أن يكونوا على قدر تاريخها ومكانتها وتضحيات أجيالها؛ أوفياء في مواقفهم، مخلصين في أعمالهم، متماسكين في أوقات الشدة، ملتفين حول وطنهم ومؤسساته، حريصين على أمنه واستقراره، متمسكين بوحدتهم الوطنية التي تمثل أحد أعظم مصادر قوتهم.
وفي الختام، فإن التحديات مهما اشتدت لا ينبغي أن تزيدنا إلا وعيًا وثباتًا وتلاحمًا، والتهديدات مهما تعددت لا ينبغي أن تدفعنا إلا إلى مزيد من المسؤولية والاستعداد، ومحاولات الفرقة مهما تنوعت لا ينبغي أن تجد بيننا أرضًا خصبة.
فالوطن ليس شعارًا نرفعه حين نريد، بل عهدٌ نحمله، وولاءٌ نثبته، وأمانةٌ نصونها، وكرامةٌ لا نفرط فيها. وإذا اتحدت الكلمة، وتماسكت الصفوف، وصدقت المواقف، بقي الوطن شامخًا بعون الله، عصيًا على كل من يستهدف أمنه، ثابتًا بأبنائه، ماضيًا نحو مستقبل يليق بمكانته وطموح شعبه.
حفظ الله المملكة العربية السعودية، وأدام عليها عزها وأمنها واستقرارها، وحفظ قيادتها وشعبها، وأيّد رجالها المخلصين، ورد عنها كل سوء، وجعل أبناءها دائمًا صفًا واحدًا في الولاء، راسخين في الانتماء، متحدين في المواقف، أوفياء لوطنهم في الرخاء والشدة.

✍️ أ. يحيى حسن الفيفي

إرسال التعليق