×

ليس كل انتصار يحتاج إلى شاهد

المقالات : م – سامي مجرشي

حذّرك يوماً من قرار، فلم تستمع إليه. مرّ الوقت، وتحقق ما حذّرك منه بالضبط. عاد إليك بابتسامة باهتة، أو بنبرة ممزوجة بالشفقة، وقالها:

ألم أقل لك؟

لماذا تؤلم هذه الجملة البسيطة أحياناً أكثر من فداحة الخطأ نفسه؟

لأن الحق يمنحك موقفاً قوياً، لكنه لا يمنحك أبداً الحق في إذلال من أخطأ.

هناك فرق شاسع بين أن تكون محقاً، وأن تكون كريماً.

بعض الناس لا يهمهم حل المشكلة بقدر ما يهمهم إثبات أنهم كانوا الأذكى في الغرفة.

فتتحول النصيحة من اهتمام صادق إلى منافسة خفية، ويتحول وقوعك في الخطأ إلى انتصار شخصي لهم.

لكن الحقيقة التي يغفلونها أن جملة:

ألم أقل لك؟

لا تعيد عقارب الساعة إلى الوراء

لا تصلح القرار

ولا تعيد المال المهدر

ولا تسترجع الوقت الضائع

كل ما تفعله هو مضاعفة الألم

فالإنسان في لحظة عثرته لا يحتاج إلى قاضٍ يقرأ عليه حكم الإدانة، بل يحتاج إلى يدٍ تمتد لتساعده على الخروج من المستنقع.

وهذا لا يحدث في موقف واحد فقط

بين الزوجين

وبين الأصدقاء

وبين الأب وابنه

قد تعرف يقيناً أن الطرف الآخر أخطأ، لكن تذكيره المستمر بذلك لا يبني العلاقة..

بل يهدم شيئاً منها في كل مرة

وفي أروقة العمل تصبح الصورة أكثر وضوحاً

موظف اتخذ قراراً خاطئاً

المدير الضعيف يستخدم هذا الخطأ ليقول:

أنا كنت أعرف

أما القائد الحقيقي فيتجاوز رغبته في إثبات أنه كان محقاً، ويسأل:

كيف نصلح ما حدث؟

هنا يتجلى الفرق الجوهري بين الحكمة والتشفي

الحكيم يريد للآخر أن يستفيد من التجربة ويكبر

أما المتشفي فيريد أن يستمد قوته من سقوط الآخر

وأحياناً يكون أعظم انتصار هو الصمت

تعرف أنك كنت محقاً

ويعرف هو أيضاً أنك كنت محقاً

ولا تحتاج إلى أن تنطق بكلمة واحدة

فالزمن أقام الحجة بالفعل..

ولا حاجة لأن تتحول أنت إلى قاضٍ

نعود إلى المشهد الأول

حين يعود إليك شخص بعدما تجاهل نصيحتك ووقع فيما حذرته منه، فأنت أمام لحظة اختبار حقيقية.

هل ستقول:

ألم أقل لك؟

أم ستقول:

ماذا نستطيع أن نفعل الآن؟

نضج الإنسان لا يظهر عندما يثبت أنه كان على حق، بل عندما يعرف ماذا يفعل بحقه بعد أن يثبت.

وحين يثبت الزمن أنك كنت محقاً..

هل تحتاج حقاً أن تقولها؟

————————————————

كتبتها كما رأيتها | م. سامي يحي مجرشي

إرسال التعليق