×

حين يكبر العمر ويبقى الطفل

المقالات : مسعود الفيفي

كاذبٌ ذلك الشيب الذي يزحف مسرعًا ليغطي سواد شعرنا، حين يوهم الآخرين بأنه مجرد علامة على تقدّم العمر. فبعض الشيب لا تصنعه السنوات وحدها، بل تصنعه أيام ثقيلة مرّت بنا، ومواقف استنزفت أرواحنا، وأوجاع أخفيناها طويلًا حتى ظهرت آثارها على ملامحنا.

نحن لا نتعب دائمًا لأننا كبرنا، بل لأننا كثيرًا ما نعيش الحياة المتاحة لا الحياة التي أردناها. نمضي في طرق فرضتها الظروف، ونؤجل أشياء أحببناها، ونتنازل عن أحلام حسبنا يومًا أنها ستكون حياتنا، ثم نكتشف بعد سنوات أننا أصبحنا بارعين في التعايش مع ما لم نختره.

ومع ذلك، يظل في داخل كل واحد منا صراع لا يراه الآخرون؛ جزء أنهكته الحياة حتى كاد يستسلم، وجزء آخر يقاوم بكل ما تبقى فيه من قوة حتى لا ينكسر.

وهنا نفهم أن الإنسان قد يكون قويًا وضعيفًا في اللحظة ذاتها؛ يبتسم وفي قلبه وجع، يواسي الآخرين وهو أحوج منهم إلى المواساة، ويتكئ عليه الجميع بينما يبحث في داخله عمن يتكئ عليه.

القوة ليست دائمًا ألا نسقط، وليست الضعف أن نتعب. القوة الحقيقية أن نعترف بتعبنا ثم نواصل، وأن ندرك أن أرواحنا ليست مطالبة بأن تكون صلبة طوال الوقت.

لكن لماذا لم يخبرنا أحد أن الكِبَر متعب؟

حين كنا صغارًا، كنا نستعجل السنوات ونحلم باليوم الذي نصبح فيه كبارًا؛ ظننا أن الكبر حرية، وأن العمر سيمنحنا الإجابات التي عجزنا عن فهمها في طفولتنا. ولم يخبرنا أحد أن السنوات كلما منحتنا معرفة، أخذت منا شيئًا من الدهشة، وأن المسؤوليات تكبر معنا، وأن بعض الأمنيات تصبح أبعد كلما اقتربنا منها.

ها نحن قد كبرنا…

كبرت أعمارنا، وتغيّرت وجوهنا، وتسلل الشيب إلى رؤوسنا، وغاب من غاب، وتبدلت الأماكن والوجوه، لكن ذلك الطفل الذي يسكن أعماقنا لم يكبر بالقدر نفسه.

لا يزال يفرح بكلمة جميلة، ويتألم من التجاهل، ويبحث عن الأمان، ويحن إلى بيت قديم، وصوت غاب، ووجه كان يمنحه الطمأنينة بلا مقابل.

وفي بعض الليالي، حين يهدأ كل شيء من حولنا، يخرج ذلك الطفل من أعماقنا ويبكي بصمت؛ لا يريد مالًا ولا منصبًا ولا انتصارًا كبيرًا…

يريد فقط أن يعود.

يعود إلى زمن كانت فيه الهموم أصغر، والقلوب أبسط، والضحكات أكثر صدقًا، وكان الغد مجرد يوم جديد، لا قائمة طويلة من المسؤوليات والمخاوف.

لكن الحياة لا تعيد أحدًا إلى الوراء.

ولهذا ربما لا يكون المطلوب أن نهزم ذلك الطفل في داخلنا حتى نثبت أننا كبرنا، بل أن نحافظ عليه؛ أن نترك له مساحة يفرح فيها، ويحلم، ويغفر، ويبدأ من جديد.

فالشيب ليس دائمًا إعلانًا عن نهاية الشباب، وقد لا يكون العمر عدد السنوات التي عشناها، بل مقدار ما عبرناه من طرق، وما تجاوزناه من أوجاع، وما بقي في أرواحنا رغم كل شيء من قدرة على الحب والأمل.

سنكبر، نعم…

وقد يزداد الشيب، وتتعب الخطوات، وتتغير أشياء كثيرة فينا، لكن أجمل انتصار يمكن أن نحققه أمام قسوة السنوات هو أن نصل إلى آخر الطريق وقد كبر العمر في أجسادنا، دون أن يموت الطفل في أرواحنا.

بقلم رئيس مجلس ادارة صحيفة اصداء المناطق الإلكترونية

مسعود بن جابرجبران الفيفي

إرسال التعليق