×

أنا فاشل.. ولكن!

الكاريزما

المقالات : علي المحنشي

قد تبدو العبارة صادمة، وربما قاسية حين يقول الإنسان لنفسه: «أنا فاشل».

وقد يسارع البعض إلى رفضها؛ خوفًا من أن تهتز صورته أمام الآخرين، أو أن يبدو أقل نجاحًا مما يحب أن يراه الناس. لكنني أرى أن الاعتراف بالفشل قد يكون من أشجع العبارات التي يقولها الإنسان لنفسه، متى قالها بوعي ورغبة في الإصلاح، لا بيأس أو استسلام.

نحن نعيش في زمن أصبح فيه الحديث عن النجاح أسهل من صناعته.

يتحدث البعض عن نجاحه في عمله، وتميزه في أسرته، وقوة علاقاته، وكثرة إنجازاته، ويحرص على أن يظهر بصورة الإنسان الذي لا يعرف الفشل إليه طريقًا. وربما استشهد بقصص الناجحين وتجارب المتميزين، وتحدث عن إنجازاتهم طويلًا، بينما يعرف في قرارة نفسه حقيقة لا يراها جمهوره.

يعرف أين أخفق، وأين قصّر، وأين أضاع فرصة، وأين خذل إنسانًا كان يستحق منه الوفاء، وأين كان يستطيع أن يكون أفضل مما كان.

وهنا ليست المشكلة في الفشل، بل في إنكاره.

الفشل ليس عيبًا في ذاته؛ فقد يكون تجربة قاسية، لكنه قد يصبح درسًا ثمينًا، وربما كان بداية الطريق إلى النجاح. أما المشكلة الحقيقية فتبدأ حين يخدع الإنسان نفسه، ثم ينشغل بإقناع الآخرين بأنه ناجح.

فليس النجاح أن تتحدث عن نجاحك في أسرتك وأنت لا تمنحها وقتًا واهتمامًا.

وليس النجاح أن تستشهد بأعمال المبدعين وأنت لا تبذل جهدًا لتطوير نفسك.

وليس النجاح أن تتحدث عن الوفاء وأفعالك تناقض كلماتك، ولا أن تجعل الأخلاق خطابًا للآخرين بينما تغيب عن ممارساتك حين لا يراك أحد.

فلا تكن كطاحونة تدور بلا حبوب؛ ضجيج كثير، ولا طحين.

فالنجاح الحقيقي لا يحتاج إلى كثير من البهرجة، لأن أثره يتحدث عن صاحبه، وإنجازاته تشهد له، وواقعه يغنيه عن المبالغة في وصف نفسه.

وقد ينجح الإنسان في عمله ويفشل في بيته، وقد ينجح في جمع المال ويفشل في جمع القلوب، وقد يكسب إعجاب مئات الناس بينما يخسر احترام أقرب الناس إليه.

فالنجاح ليس صورة واحدة، والفشل كذلك.

ولهذا، فإن من أشجع اللحظات أن يقف الإنسان أمام مرآة نفسه، لا أمام جمهور الناس، وأن يقول بصدق:

نعم.. أنا فاشل في هذا الجانب.

لكن الأهم ألا يتوقف عند هذه الجملة.

عليه أن يسأل نفسه: لماذا فشلت؟ أين أخطأت؟ ماذا كان ينبغي أن أفعل؟ وهل أستطيع أن أتغير؟ ومن أين أبدأ؟

عندها يتحول الاعتراف من جلد للذات إلى مراجعة، ومن إحباط إلى وعي، ومن نهاية متوهمة إلى بداية جديدة.

فربما كان الاعتراف بالفشل أول خطوة في طريق النجاح الحقيقي؛ لأن من يعرف موضع الخلل يستطيع أن يبدأ إصلاحه، أما من يصر على تزيين إخفاقاته وإلباسها ثوب النجاح، فقد يغلق على نفسه باب التغيير.

ليس عيبًا أن تقول: لم أنجح.

وليس عيبًا أن تقول: أخطأت.

ولا ينتقص منك أن تعترف: قصّرت، وكان بإمكاني أن أكون أفضل.

إنما الخسارة الحقيقية أن تعرف الحقيقة ثم تكابر عليها.

فالناجح ليس إنسانًا لم يتعثر قط، وإنما إنسان امتلك شجاعة الاعتراف، وحكمة التعلم، وإرادة التغيير.

ولهذا فإن معرفة الإنسان بقدراته ونقاط ضعفه ليست انتقاصًا من قيمته، بل قد تكون أول الطريق إلى إصلاح ذاته؛ فالذي يعرف أين يقف يستطيع أن يحدد إلى أين يريد أن يصل.

ختامًا..

لا تجعل نجاح الآخرين ستارًا تخفي خلفه إخفاقك، ولا تجعل إنجازاتهم بديلًا عن إنجازاتك، ولا تتحدث عن حياة تتمنى أن تعيشها وكأنك عشتها بالفعل.

كن صادقًا مع نفسك أولًا.

فليس أخطر على الإنسان من أن يربح تصفيق الناس، ثم يخسر قدرته على مواجهة نفسه.

وإن كنت فاشلًا اليوم في جانب من جوانب حياتك، فلا تجعل الفشل هويتك، ولا تجعل الاعتراف به نهاية الطريق.

اجعله لحظة توقف ترى فيها نفسك بوضوح، ثم اجعله نقطة انطلاق نحو ما تستطيع أن تكونه.

فأحيانًا لا يبدأ النجاح بإنجاز عظيم، ولا بمنصة، ولا بتصفيق جمهور؛ بل يبدأ في لحظة هادئة لا يسمعك فيها أحد، عندما تمتلك شجاعة أن تقول لنفسك:

أنا فاشل اليوم في هذا الجانب… لكنني لن أبقى كذلك.

بقلم الكاتب والإعلامي / علي ابن ادريس المحنشي

إرسال التعليق