×

حين تنحرف المنافسة عن أخلاقها

المقالات : إبراهيم النعمي

ليست كل منافسة خصومة، ولا كل نجاح يثير إعجاب الجميع. ففي بعض البيئات قد تبدأ الحكاية بمقارنة عابرة، ثم تتحول المقارنة إلى غيرة، والغيرة إلى حسد، والحسد ـ إذا لم يُضبط ـ إلى سلوك يهدف إلى التقليل من الآخرين أو إعاقة طريقهم.

وهنا تبدأ المشكلة.

فالطموح حق مشروع، والرغبة في النجاح أمر محمود، لكن المشكلة تظهر عندما يصبح نجاح الآخر مصدر تهديد، وعندما يظن أحدهم أن تقدم زميله يعني بالضرورة تراجعه هو.

فيبدأ البعض بمحاولات غير مباشرة للتقليل من الجهد، أو حجب الفرص، أو نقل الكلام، أو التشكيك في النوايا، أو خلق مساحات من سوء الفهم بين الزملاء.

وهنا تنحرف المنافسة عن أخلاقها، وتتحول من وسيلة للتطور إلى سبب للخصومة.

لكن مواجهة هذه السلوكيات لا تعني أن ندخل في الدائرة نفسها.

من الحكمة أيضًا ألا نعطي أذننا لكل من يأتي محملًا بالأخبار عن الآخرين. فالشخص الذي ينقل إليك كلامًا قيل عنك، قد ينقل عنك غدًا كلامًا إلى غيرك. وليس كل ما يُقال يستحق أن يُصدَّق، ولا كل ما يُنقل يستحق أن يُبنى عليه موقف.

لذلك، من أجمل ما يمكن أن يتحلى به الإنسان التثبت وحسن الظن وضبط النفس.

فإذا وصل إليك كلام يمس علاقتك بشخص أو زميل، فلا تجعل الناقل هو الحكم والقاضي في الوقت نفسه. اسأل، وتحقق، وإن كان الأمر يستحق المواجهة، فلتكن المواجهة مباشرة وهادئة ولبقة، بعيدًا عن الانفعال ورفع الصوت وتبادل الاتهامات.

وقد يكون الطرف الآخر لديه تفسير لم يصل إليك، أو عذر لم تعرفه، أو ربما كان الأمر كله قائمًا على سوء فهم.

وحتى عندما لا يكون العذر كافيًا، فإن قبول الاعتذار ـ متى قُدّم بصدق واحترام ـ يبقى من شيم النفوس الكبيرة. فقبول الاعتذار لا يعني بالضرورة نسيان التجربة أو إلغاء الحدود، لكنه يعني ألا نحول موقفًا عابرًا إلى خصومة دائمة.

كما أن المؤسسات تتحمل مسؤولية كبيرة في الحد من هذه الظاهرة؛ فحين تكون معايير التقييم والترقية والتكليف واضحة وعادلة، تقل مساحة الاجتهادات الشخصية، وتضيق فرص الإقصاء والمحاباة، ويصبح الإنجاز هو اللغة التي يتحدث بها الجميع.

وفي المجال الإعلامي تحديدًا، تبدو الحاجة أكبر إلى هذه الروح؛ لأن تعدد الصحف والمنصات والأقلام يمكن أن يكون مصدر قوة للمشهد الإعلامي، وليس سببًا للصراع. فنجاح صحفي لا يلغي نجاح زميله، وانتشار صحيفة لا يعني بالضرورة تراجع أخرى، وتعدد الأصوات المهنية يثري القارئ والمشهد العام.

إن المنافسة الصحية هي التي تجعلني أرى نجاحك فأقول: ماذا يمكنني أن أتعلم منك؟ لا: كيف أمنعك من النجاح؟

وهي التي تجعل الاختلاف في الرأي أمرًا طبيعيًا، دون أن يتحول إلى إساءة شخصية أو قطيعة أو محاولة لإقصاء الآخر.

ومن المهم أن يدرك الإنسان أن الرد على الإساءة بالإساءة لا يعيد إليه حقه، بل قد يجعله شريكًا في المشكلة. أما الهدوء، والتثبت، والمواجهة الراقية، وحفظ الكرامة، فهي أدوات أقوى وأكثر بقاءً.

وقد حذر النبي ﷺ من الحسد والتباغض والتدابر، فقال: «لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانًا» رواه مسلم.

ولعل من أجمل ما يمكن أن نفعله في علاقاتنا المهنية والاجتماعية أن نتعلم ثلاثة أمور:

ألا نصدق كل ما يُنقل إلينا، وألا ننقل كل ما نسمعه، وألا نحكم قبل أن نتحقق.

فالكلمة التي تُقال في غياب صاحبها قد تهدم علاقة بُنيت خلال سنوات، بينما سؤال مباشر وصادق قد يكشف أن الأمر كله لم يكن يستحق كل ذلك.

وفي النهاية، لا تجعل نجاحك قائمًا على تعثر غيرك، ولا تجعل اختلافك مع شخص سببًا لإسقاطه، ولا تسمح لكلام الآخرين أن يصنع خصومات لم تخترها بنفسك.

نافس بعملك، وتقدم بأخلاقك، واجه ما يزعجك بلباقة، واقبل العذر إذا قُدّم لك بصدق، وضع حدودك حين يلزم، ثم امضِ في طريقك.

فليس كل باب أُغلق خسارة، وليس كل موقف يستحق معركة، وليس كل من أخطأ في حقك عدوًا.

ويبقى أجمل انتصار للإنسان أن يحافظ على نقاء قلبه، وكرامته، وحسن خلقه، وأن يترك خلفه أثرًا طيبًا لا خصومة طويلة.

فالنجاح الحقيقي أن تصل إلى ما تريد، دون أن تفقد في الطريق أجمل ما فيك.

بقلم الكاتب والاعلامي : ابراهيم بن حسن النعمي

تعليق واحد

sami majrashi
Eng. Sami Majrashi

المنافسة الحقيقية لا تحتاج أن تطفئ ضوء غيرك كي يلمع ضوؤك..

فالميدان يتسع للجميع والنجاح الذي يُبنى على إقصاء الآخرين ليس نجاحاً بقدر ما هو اعتراف خفي بالعجز عن مجاراتهم.

أجدت أستاذ إبراهيم في ترسيخ معنى المنافسة الأخلاقية التي ترفع قيمة الإنجاز دون أن تنتقص من الآخرين.. فالقيمة ليست في أن تسبق غيرك فقط بل في الطريقة التي اخترت أن تسبقه بها.

إرسال التعليق