×

حين يغيب الحوار من البيت.. من يربي أبناءنا؟

المقالات : يحي الفيفي

أيها الآباء والأمهات، قد نعيش مع أبنائنا تحت سقف واحد، ونوفر لهم الطعام والملبس والتعليم، ونحرص على مستقبلهم، لكن هل نسأل أنفسنا: هل نمنحهم الوقت الكافي لنسمعهم ونفهم ما يدور في داخلهم؟
إن أخطر ما يمكن أن يحدث في الأسرة ليس اختلاف الأب مع ابنه، أو الأم مع ابنتها، وإنما أن يغيب الحوار حتى يصبح الصمت هو اللغة السائدة في البيت. فقد يكون الجميع مجتمعين، لكن كل واحد منهم يعيش في عالمه الخاص، منشغلًا بهاتفه أو أصدقائه أو اهتماماته، بينما تتسع المسافة بين القلوب دون أن يشعر أحد.

وفي زمن أصبحت فيه وسائل التواصل مفتوحة أمام أبنائنا على مدار الساعة، لم يعد البيت هو المصدر الوحيد الذي يؤثر في أفكارهم. فإذا لم يجد الابن من يسمعه، سيجد من يسمعه خارج البيت، وإذا لم يجد من يناقشه في أسئلته، فسوف يبحث عن الإجابة في مكان آخر، وربما عند أشخاص لا نعرفهم ولا نعرف ما الذي يريدون غرسه في عقله.
أيها الأب، لا تنتظر من ابنك أن يأتيك بكل تفاصيل حياته وأنت لا تسأله عنها. اجلس معه، اسأله عن يومه، عن أصدقائه، عن طموحاته، وعن الأشياء التي تشغله. وأيتها الأم، اجعلي ابنتك تشعر أن حديثها معك آمن، وأنها تستطيع أن تخبرك بما يزعجها دون أن تخشى السخرية أو الغضب.
فالأبناء لا يحتاجون دائمًا إلى النصيحة، بل يحتاجون قبلها إلى أذن تسمع وقلب يفهم. والحوار لا يعني أن نوافقهم على كل شيء، وإنما يعني أن نفهمهم قبل أن نحكم عليهم، وأن نختلف معهم دون أن نفقد محبتهم وثقتهم.
ولنعلم أن التربية ليست أوامر ونواهي فقط، وليست توفير الاحتياجات المادية وحدها؛ التربية علاقة تُبنى بالوقت والاهتمام والقدوة والحوار. وقد ينسى الابن بعد سنوات أشياء كثيرة اشتريناها له، لكنه لن ينسى أبًا جلس بجواره عندما كان مهمومًا وقال له: “تحدث يا بني، أنا أسمعك.”

ولا ينبغي أن نلوم الهاتف ووسائل التواصل وحدها على تغير أبنائنا؛ بل علينا أن نسأل أنفسنا: هل تركنا فراغًا فملأه الآخرون؟
إن الطفل الذي اعتاد أن يتحدث مع والديه عن تفاصيل حياته الصغيرة، سيكون أكثر استعدادًا للحديث معهم عندما تواجهه مشكلة كبيرة. أما إذا تعود على أن كل حديث معه هو تحقيق أو توبيخ أو أوامر، فسوف يتعلم الصمت، ثم الإخفاء، ثم البحث عن بديل.

لذلك، فلنجعل في بيوتنا وقتًا للحوار، بعيدًا عن الهواتف والانشغالات. لنجلس مع أبنائنا، لا لنسألهم فقط ماذا فعلوا، بل لنعرف ماذا يشعرون، وماذا يفكرون، وماذا يتمنون.
وقبل أن نسأل يومًا: لماذا تغير أبناؤنا؟ ولماذا أصبحوا بعيدين عنا؟ علينا أن نسأل أنفسنا اليوم:
هل كنا قريبين منهم بما يكفي؟ وهل جعلنا البيت المكان الأول الذي يلجؤون إليه عندما يخطئون أو يحتارون أو تضيق بهم الحياة؟
أيها الآباء والأمهات، لا تنتظروا أن يفتح الآخرون أبوابًا لأبنائكم وأنتم قادرون على فتح قلوبكم لهم. حاوروهم قبل أن يحاورهم غيركم، واسمعوهم قبل أن يبحثوا عمن يسمعهم، واحتووهم قبل أن يبحثوا عن الاحتواء في مكان آخر.
فالأبناء لا يحتاجون بيتًا كبيرًا بقدر حاجتهم إلى بيت يسمعهم ويشعرهم بالأمان.

فالبيت الذي يغيب عنه الحوار، قد يبقى عامرًا بالجدران، لكنه يفقد أهم ما فيه: القلوب.

✍️/أ . يحيى حسن الفيفي

تعليق واحد

comments user
ابو سامي الفيفي

كلام جميل ي بو وليد زادك الله توفيقا وسدادا

إرسال التعليق