×

رحلة الحياة.. بين إسعاد واستعداد

الكاريزما

المقالات : علي المحنشي

الأجمل أن نعرف الفرق بين الإسعاد والاستعداد؛ فالإسعاد أن نصنع الفرح في قلوب من حولنا، والاستعداد أن نهيئ أنفسنا لما هو قادم.
في العيد، لا تكون السعادة بكثرة المظاهر والهدايا فقط، بل بكلمة طيبة، وابتسامة صادقة، وصلة رحم، وإدخال السرور على قلب محتاج. قال الله تعالى: (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ) .
وفي مواسم الحج والعمرة، يتجلى معنى الاستعداد والإسعاد بصورة أعمق؛ فالاستعداد يكون بالتخطيط والتجهيز وتهيئة النفس لأداء العبادة، أما الإسعاد فيكون بمساعدة الحاج والمعتمر، وتيسير رحلته، وإرشاده، وخدمته، واستقباله بالبشاشة والكلمة الطيبة. فكم من عمل يسير أسعد إنسانا، وكم من مساعدة بسيطة بقي أثرها في النفس طويلا.
وفي الزواج، لا تكتمل فرحة المناسبة بالاحتفال وحده، وإنما تكتمل بمشاركة العروسين فرحتهما، وتهنئتهما بالكلمة الجميلة، والدعاء لهما بحياة مليئة بالمودة والرحمة. فالفرح حين نتقاسمه مع الآخرين يكبر، والسعادة حين نهديها لغيرنا تعود إلينا أجمل.
أما الزيارات العائلية، فلا تقاس قيمتها بطول مدتها، وإنما بما تحمله من مودة وصلة ورحمة؛ فقد تكون زيارة قصيرة، لكنها تجدد المحبة، وتصل الرحم، وتدخل السرور على قلب كبير في السن أو قريب اشتاق إلى من يزوره.
وكذلك في اليوم الوطني ويوم التأسيس، لا يكون الاحتفاء بالمناسبة مجرد مظاهر وفعاليات، بل فرصة لاستحضار تاريخ الوطن، والاعتزاز بجذوره ومنجزاته، وتعزيز قيم الانتماء والمسؤولية، والمحافظة على مكتسباته. فالإسعاد في المناسبات الوطنية أن نشارك الوطن فرحته، والاستعداد أن نكون جزءا من مستقبله، كل في موقعه ومسؤوليته.
أما بداية العام الدراسي، فهي ليست مجرد عودة إلى المقاعد والكتب، بل عودة إلى الطموح والانضباط وبناء المستقبل. وهنا يأتي الاستعداد الحقيقي: تنظيم الوقت، وتجهيز الأدوات، وتهيئة النفس، وتعويد الأبناء على المسؤولية، حتى تبدأ الرحلة بثقة وطمأنينة.
وقد يظن البعض أن الاستعداد يعني شراء المستلزمات فقط، بينما الاستعداد الحقيقي يبدأ من الداخل؛ من عقل يعرف هدفه، ونفس تؤمن بقدرتها، وأسرة تشجع أبناءها، وتمنحهم الثقة، وتساعدهم على تجاوز الصعوبات، بدلا من أن تثقلهم بالمقارنات والضغوط.
وهنا ندرك أن الإسعاد والاستعداد وجهان لحياة متوازنة؛ فالإسعاد يصنع فرحة اللحظة، والاستعداد يصنع نجاح المستقبل.
والأجمل أن نجمع بين الاثنين؛ نسعد أبناءنا اليوم، ونستعد معهم للغد. نحتفل بنجاحهم، ونزرع فيهم حب العلم، ونمنحهم الثقة، ونذكرهم بأن كل بداية جديدة فرصة جديدة.
فالعيد يعلمنا كيف نفرح، والحج والعمرة يعلماننا الاستعداد للعبادة وخدمة الآخرين، والزواج يعلمنا كيف نشارك الآخرين أفراحهم، والزيارة العائلية تعلمنا معنى الوفاء وصلة الرحم، والمناسبات الوطنية تذكرنا بتاريخ وطننا ومسؤوليتنا تجاهه، والمدرسة تعلمنا كيف نبني المستقبل.
وهكذا تحتاج الحياة إلى الاثنين معا:
قلب يعرف كيف يُسعد، وعقل يعرف كيف يستعد.
فليس المهم أن نستعد للمناسبة فحسب، بل أن نسأل أنفسنا: ماذا سنترك خلفنا من أثر؟ ومن الإنسان الذي سيعود من مناسبتنا أكثر فرحا، ومن حياتنا أكثر أملا؟
فأجمل الاستعداد أن تهيئ نفسك للخير، وأجمل الإسعاد أن تجعل للخير أثرا في حياة الآخرين.
ولعل أجمل ما نقوله مع كل عيد، وكل مناسبة سعيدة، وكل موسم حج وعمرة، وكل عام دراسي جديد، وكل مناسبة وطنية:
اللهم اجعل أيامنا أعيادا بالفرح، ومناسباتنا أبوابا للمحبة، وزياراتنا صلة ومودة، وحجنا وعمرتنا عبادة مقبولة، ووطننا آمنا مزدهرا، وبداياتنا أبوابا للنجاح، وأبناءنا قرة عين، ومستقبلهم أجمل مما نتمنى.

بقلم الاعلامي والكاتب : علي بن ادريس اللمحنشي

إرسال التعليق