×

خريفُ العمر.. حين تُزهر الحكمة

المقالات : أحمد هبة

حين تبلغ الشمس كبد السماء في رحلتها الطويلة، يتبدّل مدُّ الظلال ويقصر؛ لا خفوتًا في نورها، بل لأنها بلغت أوج الاستواء والكمال. وهكذا هو الإنسان في خريف العمر العطِر؛ لا ينحني عجزًا، بل يسمو بصيرةً، وكأنما أدرك سرَّ الحكاية حين اقتربت غايتها من بدايتها.

إنها المرحلة التي تتكشّف فيها الجواهر وتتساقط القشور، فيرى المرء بعين الحقيقة ما كان يراه من وراء حُجب الغفلة. فما كانت الأيام سوى بواتق صهرت طين الهوى حتى صفَت الروح، فاستوت على الجودي مطمئنةً؛ لا يزعزع سكونها عابث، ولا يربك هدوءها صخب الطارئين.

وليس امتداد العمر تناقصًا في الرصيد، بل ارتقاءٌ في معارج اليقين؛ فالقلب الذي أتعبه الركض خلف السراب يجد أخيرًا في محراب السكينة متعته القصوى، والعقل الذي طالما استبطن الألغاز يستوي على تلّ الحكمة، ممسكًا بمقاليد أمره، مدركًا أن أثمن ما يُؤتاه المرء ليس كثرة الصاخبين حوله، بل قدرته العميقة على الإنصات إلى صمت الكون الناطق بجلال الخالق.

وهنا تتجلّى الحكمة الكبرى: أننا لم نكن في هذه الدار سوى عابرين، نستعير الأسماء والأشكال، وأن ما يبقى حين تتوارى المظاهر هو ذلك الأثر الطاهر الذي يتركه الوفاء في نفوس الآخرين. وحين يلتفت العارف إلى ما مضى، لا يلتفت بحسرة المودِّع، بل بنظرة الشاكر الذي فرز الحبَّ من الزوان، واستخلص من مرارة التجربة عسل المعرفة.

فلله درُّ الروح التي كلما هرم هيكلها، ازداد صباها القدسي توهجًا وعنفوانًا؛ وكأنما وُعدت بالخلود، فما عادت تلتفت إلى الفناء. إنها الروح التي أتقنت فنَّ العبور العظيم؛ تودّع الأمس بامتنان، وتستقبل الآتي بتسليم، وتدرك أن حقيقة الإنسان ليست رقمًا يُسجَّل على ورق، بل نورًا يضيء العتمات، وأثرًا طيبًا يبقى في القلوب، حتى يلقى المرء وجه ربّه راضيًا مرضيًّا.

بقلم المستشار : أحمد بن هبه علي هادي

إرسال التعليق