عزّنا بطبعنا.. وطنٌ يكتب المجد ولا يرويه
المقالات : حمد دقدقي
في الثالث والعشرين من سبتمبر، لا يأتي اليوم الوطني السعودي بوصفه موعدًا عابرًا في روزنامة الأيام، ولا مناسبةً تستعيد فيها الذاكرة صورةً من الماضي فحسب؛ بل يطلّ باعتباره فصلًا متجددًا من قصة وطنٍ جعل من وحدته أساسًا، ومن أمنه ركيزةً، ومن إنسانه غايةً، ومن طموحه طريقًا ممتدًا نحو المستقبل.
وفي اليوم الوطني السعودي السادس والتسعين، الموافق 23 سبتمبر 2026م، تتوشح الهوية الوطنية بشعار «عزّنا بطبعنا»؛ وهو شعارٌ يختصر في كلماته القليلة معنىً واسعًا، ويعبّر عن منظومة من القيم التي لم تكن يومًا طارئة على المجتمع السعودي، بل تشكلت في وجدانه، ونمت في بيئته، وتوارثتها أجياله؛ من الكرم والجود والشهامة، إلى الأصالة والوفاء، ومن الثبات عند الشدائد إلى الطموح الذي لا يرضى إلا بالمقدمة.
إن العز الذي يستحضره الشعار ليس مظهرًا يُستعار في المناسبات، وإنما سلوكٌ متأصل، وقيمةٌ اجتماعية، وإرثٌ وطني تتوارثه الأجيال. ولذلك يبدو الشعار قريبًا من الناس؛ لأنه لا يتحدث عنهم من الخارج، بل يستدعي ما فيهم من صفاتٍ أصبحت جزءًا من صورتهم الوطنية.
ومن هذه القيم، مضت المملكة العربية السعودية في مسيرةٍ تاريخية جعلت من التأسيس نقطة انطلاق، ومن الوحدة مشروعًا مستمرًا، ومن الاستقرار قاعدةً للتنمية والبناء.
ومنذ أن أرسى الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود ـ رحمه الله ـ دعائم الدولة الحديثة ووحّد أرجاءها تحت راية التوحيد، بدأت المملكة رحلةً متصلة من البناء والتحديث، تعاقبت خلالها مراحل التنمية، حتى أصبحت اليوم دولةً ذات حضور مؤثر إقليميًا ودوليًا، تستند إلى إرثها التاريخي، وتستشرف المستقبل بثقة واقتدار.
وتأتي رؤية المملكة 2030 في مقدمة التحولات التي أعادت صياغة كثير من مسارات التنمية، إذ انتقلت المملكة خلالها من مرحلة تطوير القطاعات التقليدية إلى مرحلة أوسع تستثمر في الإنسان والمعرفة والتقنية، وتعمل على تنويع الاقتصاد، وتعزيز جودة الحياة، وتوسيع فرص الاستثمار، وتنمية القطاعات الواعدة.
وفي المشهد الاقتصادي، تتواصل جهود تنويع مصادر الدخل، وتنمية الاقتصاد غير النفطي، وتمكين القطاع الخاص، وجذب الاستثمارات، وتطوير الصناعات الوطنية، بما يعزز قدرة الاقتصاد السعودي على مواجهة المتغيرات العالمية، ويفتح آفاقًا جديدة أمام الأجيال القادمة.
وفي التقنية، تتقدم المملكة بخطوات متسارعة في مجالات الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي والأمن السيبراني ومراكز البيانات، فيما أصبحت الخدمات الرقمية جزءًا أصيلًا من الحياة اليومية، وأسهمت في رفع كفاءة الخدمات الحكومية وتيسير وصولها إلى المستفيدين.
أما التعليم، فقد ظل في صميم المشروع الوطني؛ إدراكًا بأن التنمية المستدامة لا تبدأ من المباني والمنشآت، وإنما من الإنسان. ومن هنا تتواصل جهود تطوير المناهج، ورفع كفاءة المعلمين والمعلمات، وتعزيز المهارات المستقبلية، وإعداد جيلٍ قادر على التعامل مع متغيرات المعرفة والتقنية، والمشاركة الفاعلة في مسيرة التنمية.
وفي السياحة والثقافة والترفيه، تتسع صورة المملكة الجديدة، وتظهر ثروتها الطبيعية والتراثية والثقافية في مشروعات ومبادرات تعزز حضورها بوصفها وجهةً عالمية، وتمنح الإنسان والمكان فرصةً أكبر للتفاعل مع العالم، دون أن يفقد الوطن خصوصيته وأصالته.
غير أن الإنجاز، مهما بلغت أرقامه، يظل ناقصًا إذا لم ينعكس على الإنسان.
فالإنسان السعودي هو محور هذه المسيرة، وهو الذي يمنح المشاريع معناها، ويحوّل الخطط إلى واقع، والطموحات إلى نتائج. ومن هنا، فإن أعظم ما تحقق ليس ما ارتفع من مبانٍ، ولا ما شُيّد من طرق، ولا ما أُطلق من منصات، وإنما ما ترسخ في الإنسان من ثقةٍ بقدراته، وإيمانٍ بدوره، وإحساسٍ بمسؤوليته تجاه وطنه.
وفي هذه المعادلة تكتسب عبارة «عزّنا بطبعنا» معناها الأعمق؛ فالوطن لا يحيا بما يملكه فقط، وإنما بما يحمله أبناؤه من قيم، وما يقدمونه من عمل، وما يترجمونه من انتماء إلى سلوكٍ ومسؤولية.
فالعز أن يكون الوطن حاضرًا في الضمير قبل أن يكون حاضرًا في الخطاب، وأن تتحول المواطنة من شعورٍ مؤقت إلى ممارسةٍ يومية، ومن الاحتفاء بالماضي إلى الإسهام في صناعة المستقبل.
إن اليوم الوطني مناسبةٌ نستعيد فيها ذاكرة التأسيس، لكننا لا نقف عندها؛ نستحضر الماضي باعتباره أصلًا، والحاضر باعتباره مسؤولية، والمستقبل باعتباره وعدًا يحتاج إلى العمل.
والمملكة اليوم، وهي تمضي بثبات في مسارات التنمية والتحول، لا تكتفي بأن تكون شاهدًا على عصرها، بل تسعى إلى أن تكون شريكًا في صناعة ملامحه؛ مستندةً إلى إرثٍ راسخ، ومكانةٍ دولية، وإمكاناتٍ اقتصادية وبشرية، وطموحٍ وطني واسع.
وما بين صحراء الأمس ومدن المستقبل، تبدو المسيرة السعودية أكثر من حكاية تنمية؛ إنها قصة إرادةٍ وطنية أثبتت أن الأوطان حين تتكامل فيها القيادة والرؤية والإنسان، تستطيع أن تجعل من التحديات درجاتٍ للصعود، ومن الأحلام مشروعاتٍ قابلة للتحقق.
وفي اليوم الوطني السادس والتسعين، تتجدد مشاعر الفخر والانتماء، وتتجدد معها مسؤولية المحافظة على المكتسبات، ومواصلة البناء، وتعزيز قيم العمل والإتقان، وترسيخ مكانة المملكة، وصون مكتسباتها، والمضي بها نحو مستقبلٍ يليق بما تستحقه.
هنا، لا يكون الوطن ذكرى تُستعاد في يوم، وإنما عهدًا يتجدد كل يوم.
ولا يكون العز شعارًا يُرفع، وإنما قيمةً تُمارس.
ولا تكون الراية مجرد لونٍ يرفرف في السماء، وإنما معنىً يسكن في القلوب.
«عزّنا بطبعنا»؛ لأن العز في المملكة ليس ما نقوله عن وطننا، بل ما يراه العالم في وطنٍ يعرف أصله، ويثق بحاضره، ويصنع مستقبله.
حفظ الله المملكة العربية السعودية، وأدام عليها أمنها واستقرارها وازدهارها، وحفظ قيادتها وشعبها، وأبقى رايتها عاليةً خفاقة، ووطنها عزيزًا شامخًا، ومسيرتها ماضيةً نحو آفاقٍ أرحب من الإنجاز والطموح


إرسال التعليق