×

يومٌ عالمي لكل شيء!

المقالات : مسعود الفيفي

لم يعد السؤال: ما المناسبة التي نحتفل بها اليوم؟ بل أصبح: هل بقي في التقويم يومٌ لم تحجزه مناسبة بعد؟

يومٌ عالمي للعمل الإنساني، وآخر للتصوير، وثالث للأب، ورابع للأم، ثم تمتد القائمة حتى نصل إلى يومٍ عالمي للكسل! وكأن البشرية، بعد أن فرغت من معالجة أزماتها الكبرى، جلست بهدوء تبحث عن مناسبة جديدة تملأ بها المربع الفارغ في التقويم.

ولا غرابة أن نستيقظ قريبًا على «اليوم العالمي لتأجيل المنبّه»، ثم نحتفل في اليوم التالي بـ«اليوم الدولي للبحث عن الهاتف وهو في أيدينا»، ونخصص أسبوعًا كاملًا لمن يفتح الثلاجة مرات عدة دون أن يعرف ماذا يريد!

لقد أصبحت الأيام العالمية تتكاثر بسرعة تفوق قدرتنا على متابعتها؛ فما إن تكتب تهنئة بمناسبة أحدها حتى تكتشف أنك تأخرت عن مناسبتين، وأن غدًا يحمل ثلاثًا غيرها. وربما نحتاج قريبًا إلى وزارة خاصة لإدارة الأيام العالمية، تتولى توزيع التهاني وإصدار جدول يومي يوضح لنا: بمن نحتفي؟ ولماذا؟ وما الوسم الذي يجب استخدامه؟

المشكلة ليست في تخصيص يوم للأم أو الأب أو العمل الإنساني؛ فهذه مناسبات تحمل رسائل نبيلة، وتذكّر بقيم تستحق الحضور والتقدير. لكن الإشكال يبدأ حين يتحول كل فعل، وهواية، وطعام، وحيوان، وربما كل عادة بشرية، إلى «يوم عالمي» يطالبنا بالاحتفاء به، والتصوير معه، وكتابة عبارات مؤثرة عنه.

فهل تحتاج الأم إلى يوم واحد كي نتذكر فضلها؟ وهل ينتظر الأب تاريخًا سنويًا لنشكره؟ وهل يصبح الإنسان إنسانيًا فقط حين يظهر وسم «اليوم العالمي للعمل الإنساني»؟ ثم يعود في اليوم التالي إلى قسوته المعتادة؟

إن كثرة المناسبات قد تفرغها من معناها؛ فحين يصبح لكل شيء يوم، يفقد اليوم قيمته، ويتحول الاحتفاء من رسالة إلى عادة، ومن وعي إلى منشور عابر، ومن موقف إنساني إلى صورة تنتهي صلاحيتها بانتهاء الوسم.

نحن لا نسير نحو الهاوية لأننا نحتفي بالقيم، بل لأننا بدأنا نستبدل ممارسة القيم بالاحتفال بها. نكتب عن الرحمة ولا نرحم، وننشر عن الوالدين ولا نزورهما، ونتحدث عن الإنسانية ثم نعبر بجوار المحتاج دون أن نلتفت إليه.

وربما بقي يوم واحد لم يُعتمد بعد: «اليوم العالمي بلا أيام عالمية»؛ يوم نغلق فيه هواتفنا، ونتوقف عن نشر التهاني، ونمارس القيم التي ظللنا عامًا كاملًا نكتب عنها.

أما اليوم العالمي للكسل، فلعلنا نحتفل به لاحقًا… عندما نجد الوقت!

بقلم رئيس مجلس إدارة صحيفة أصداء المناطق

مسعود بن جابر الفيفي

تعليق واحد

comments user
H-alfaifi

بينما كنت أتصفح مواقع التواصل أجد (اليوم العالمي للكسل ) كما ورد ذكره في هذا المقال !!؟ فاخذت ابحث عن ماهيته فأجد انه مناسبة غير رسمية يُحتفل بها في 10 أغسطس من كل عام. انطلقت الفكرة عام 1984 من مدينة إيتاغوي في كولومبيا بهدف التذكير بأهمية الراحة، ومحاربة ضغوط العمل المتواصلة، والتأكيد على أن الاسترخاء حاجة إنسانية ضرورية للصحة. فرجعت إلى الوراء قليلاً فأجد أنني لم أتمتع بهذ اليوم خلال فترة عملي في مجال التعليم والإعلام. … شكرا للكاتب أ/ مسعود الفيفي.

إرسال التعليق