عدسةٌ ترى ما لا تراه العيون
المقالات : حمد دقدقي
في اليوم العالمي للتصوير، لا نحتفي بصورةٍ عابرة، ولا بعدسةٍ تلتقط مشهداً ثم تمضي، وإنما نحتفي بفنٍّ يمنح اللحظة حياةً أخرى، ويهب الذاكرة قدرةً على ألا تنسى.
فالتصوير ليس ضغطاً على زر، بقدر ما هو موهبةٌ في النظر، وحسٌّ في الاختيار، ورسالةٌ تحفظ للزمن ملامحه. فالمصوّر الحقيقي لا يرى الأشياء كما تبدو للناس، وإنما يفتش في تفاصيلها عن ذلك الجمال الخفي الذي قد يمرّ بنا ولا نلتفت إليه.
وفي كل صورةٍ حكاية؛ وجهٌ تختبئ خلف ملامحه سنواتٌ من العمر، وشارعٌ يحمل خطى العابرين، ونافذةٌ تروي قصة بيت، وشجرةٌ تحفظ سرّ المكان، وطفلٌ يضحك كأن الدنيا لم تعرف الحزن قط.
إن الصورة الصادقة تشبه القصيدة؛ قليلة الكلمات، كثيرة المعاني. وقد تعجز صفحاتٌ كاملة عن استحضار ما تستحضره لقطةٌ واحدة، لأن الصورة حين تصيب لحظتها، تصبح ذاكرةً لا يملك النسيان إليها سبيلاً.
ومن هنا يأتي شغف المصور؛
احمد مدخلي ذلك الشغف الذي يجعله يطارد الضوء، ويصغي إلى الظلال، ويتأمل الوجوه، ويبحث عن الزاوية التي تجعل من المشهد العادي أثراً جمالياً يستحق أن يبقى.
وفي عالمٍ تتسارع فيه الأيام، يصبح التصوير نوعاً من الوفاء للزمن؛ فهو يقول للحظة: تمهّلي قليلاً، فإن فيك شيئاً يستحق أن يبقى.
وفي هذا اليوم، نحيّي كل مصوّرٍ جعل من عدسته نافذةً للجمال، ومن صوره جسوراً بين الأمس واليوم، وكل من آمن بأن الصورة ليست مجرد مشهدٍ محفوظ، بل نبضٌ من الحياة، وشاهدٌ على المكان، وذاكرةٌ للأجيال.
فكل عامٍ والمصورون بخير، وكل عامٍ وعدساتهم أكثر قدرةً على أن تقول لنا ما تعجز الكلمات عن قوله؛
أن الجمال كان هنا… وأن عيناً محبةً انتبهت إليه .



إرسال التعليق