×

مائدة الشريعة.. سعةٌ في الحلال وميزانٌ للطيبات

المقالات : أحمد هبة

الحمد لله الذي أحل لعباده الطيبات، ورفع عنهم الحرج والمشقة، وجعل في شريعته من اليسر والرحمة ما يصلح به أمر الدين والدنيا، والصلاة والسلام على نبينا محمد، الذي جاء بالهدى ودين الحق، ودلّ أمته على طريق الاعتدال، وحذّرها من الغلو والتنطع والإسراف.

أما بعد:

فإن من محاسن الشريعة الإسلامية أنها لم تجعل حياة الإنسان قائمة على التضييق والحرمان، وإنما أقامت له ميزاناً دقيقاً يجمع بين الحلال والطيب، والاعتدال واجتناب الضرر. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا﴾، وقال سبحانه في وصف رسوله صلى الله عليه وسلم: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾.

سعة الحلال.. ورفع الحرج

جاء الهدي النبوي بعيداً عن التكلف والتنطع في المطاعم والمشارب؛ فلم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يضيّق على نفسه فيما أحل الله، بل كان يأكل من الطيبات التي تيسرت له، ويعلّم أمته أن الأصل هو اتباع ما شرعه الله، لا تحريم ما لم يحرمه الله.

ومن هنا، فإن إطلاق عبارات التحريم على الأطعمة والأشربة يحتاج إلى دليل شرعي معتبر، ولا يصح أن يتحول مجرد الاستحسان الشخصي أو العادات أو المخاوف غير الموثقة إلى حكم شرعي عام.

فالحلال والحرام في الشريعة ليسا مجالاً للأذواق الشخصية، وإنما مردّهما إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وما قرره أهل العلم من القواعد والأصول.

بين الطيبات والخبائث

إن وصف الشريعة للطيبات والخبائث يفتح باباً مهماً لفهم علاقتها بحفظ الإنسان وصيانة بدنه. وقد بيّن المفسرون أن الخبائث تتصل بما فيه ضرر أو خبث معتبر، بينما جاءت الشريعة بإباحة الطيبات.

لكن من المهم هنا التفريق بين المعلومة الطبية وبين الحكم الشرعي؛ فليس كل خبر طبي عابر، أو دراسة أولية، أو احتمال صحي، كافياً وحده لإصدار حكم بالتحريم.

أما إذا ثبت الضرر ثبوتاً علمياً موثوقاً، وكان الضرر معتبراً ومحققاً، فإن ذلك يدخل في باب حفظ النفس ودفع الضرر، ويُنظر فيه وفق الضوابط الشرعية والعلمية، لا بمجرد الانطباع أو المبالغة.

ولهذا جاءت القاعدة النبوية الجامعة: «لا ضرر ولا ضرار»، وهي من القواعد العظيمة التي تؤكد أن الشريعة لا تقر ما يوقع الناس في الضرر.

الاعتدال.. روح المائدة النبوية

وإذا كانت الشريعة قد وسّعت دائرة الحلال، فإنها في الوقت نفسه لم تفتح الباب للإسراف والإفراط.

فالإباحة لا تعني الإفراط، وكثرة الطعام ليست دليلاً على حسن العيش، كما أن التقشف المبالغ فيه ليس بالضرورة دليلاً على الورع.

وقد رسم النبي صلى الله عليه وسلم منهجاً بديعاً في التعامل مع الطعام، فقال:

«ما ملأ آدميٌّ وعاءً شرًّا من بطن، بحسب ابن آدم أكلاتٌ يُقِمن صلبه، فإن كان لا محالة فثلثٌ لطعامه، وثلثٌ لشرابه، وثلثٌ لنَفَسه».

وقد أخرج الحديث الترمذي وابن ماجه وأحمد والنسائي بألفاظ متقاربة، وصححه أو حسنه عدد من أهل الحديث.

وهنا تتجلى روعة المنهج النبوي: لا تحريم بغير دليل، ولا إسراف في المباح، ولا إضرار بالنفس، ولا تنطع في الدين.

الشريعة بين النص والعلم

إن العلاقة بين الشريعة والطب ليست علاقة تعارض، بل إن كلاً منهما يعمل في مجاله؛ فالشريعة تضع الأصول والقواعد والقيم، والطب يكشف ما يتعلق بأبدان الناس من أسباب النفع والضرر.

ومن الخطأ أن يُحوَّل كل اكتشاف طبي إلى حكم شرعي قطعي، كما أن من الخطأ تجاهل الحقائق الطبية الموثوقة عندما يتعلق الأمر بضرر واضح على الإنسان.

والمنهج الأقوم هو التثبت والتوازن: نرجع في التحريم والتحليل إلى الشرع، ونستفيد من الطب والعلم في معرفة المنافع والأضرار، ثم ننزل الحكم على الواقعة وفق ضوابطه الشرعية.

مائدة الرحمة لا مائدة التشدد

وهكذا تبدو مائدة الإسلام مائدة رحمة وسعة واتزان؛ فيها حلال واسع، وطيبات ينتفع بها الإنسان، وضوابط تمنع الضرر والإسراف، وأحكام تحفظ عليه دينه وبدنه.

فليس التدين أن نحرم ما أحل الله، ولا أن نستهين بما ثبت ضرره، وإنما التدين الحق أن نقف عند حدود الله، فلا نتجاوزها بتحريم بغير علم، ولا نتجاوزها كذلك بإهدار نعمة أو إلحاق الضرر بالنفس.

إنها مائدة الحنيفية السمحة: سعةٌ في الحلال، وبصيرةٌ في الاختيار، واعتدالٌ في الاستهلاك، ووقوفٌ عند حدود الشرع.

بقلم المستشار : أحمد بن هبة علي هادي – – نقلا عن الطبيب : الدكتور ضياء الدين شلبي محمد العوضي،
طبيب مصري اشتهر مؤخراً في العالم العربي بسبب طرحه لنظام غذائي أطلق عليه
«نظام الطيبات ».

إرسال التعليق