المخدرات.. نشأةٌ ثم انتشارٌ، والنتائج دمار
المقالات : علي بن إدريس المحنشي.
كل عام يحل علينا اليوم العالمي لمكافحة آفة هي أكبر عدوٍ للأوطان والمجتمعات في أرجاء المعمورة.. (المخدرات) ، تلك التي ما فتئت تنشر سمومها، وتجتاح النفوس، وتهدم صروح الأجيال أينما حلت.
لستُ بأول قلمٍ كتبَ في هذا الشأن، ولا بآخر ناطقٍ يُنبّه لشأنه. فهي آفةٌ قديمةٌ متجددة، تناولتها الأقلام عبر العصور، وظلّت تجرّ معها أذيال الخراب حيثما حلّت، تفتك بالأرواح، وتقوّض بنيان المجتمعات وتنهك البلدان في تنميتها..
ولقد جاء في محكم التنزيل قال تعالى (وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) فكل ما يضر بالنفس أو يذهب عقلها أو يفسد جسدها هو من صميم ما نهى الله عنه، ودعا إلى اجتنابه حفاظاً على النعمة التي منحها إياها.
نشأة بدأت، وشرٌّ استفحل
تعود جذور بعض المواد المخدرة إلى أعماق التاريخ، عُرفت في بادئ الأمر كمنتجات طبيعية مستخلصة من نباتات معينة، استُخدمت في بعض البيئات القديمة لأغراض طبية أو طقسية محدودة، ضمن حدود وضوابط. لكن ما لبث أن تحوّل الاستخدام من نفعٍ مقيدٍ إلى إدمانٍ مُطلق؛ حين اكتشف المتلاعبون بقوى الناس ما فيها من قدرةٍ على تغيير الوعي، وتعطيل الإرادة، فبدأت رحلتها من مواطئها الأصلية لتنساب عبر طرق التجارة القديمة والحديثة، وتتوسع دائرتها حتى شملت كل بقاع الأرض. ومع مرور الزمن، تطوّرت صناعتها، فدخلت عليها تراكيب كيميائية مصنعة، زادت من قوة تأثيرها وسرعة انتشارها، واشتدّت وطأة خطرها.
كيف تسلّلت وانتشرت؟
لم تكن طريقها معبّدةً بالصدفة، بل سارت وفق شبكاتٍ محكمةٍ مترابطة، تتقاطع فيها المصالح وتتداخل الأدوار؛ تستغلّ الفجوات في الرقابة، وتنتهز فراغات الأمن والحدود، وتتخفّى في قوافل التجارة والبضائع، وتتسلل عبر الموانئ والمنافذ البرية والبحرية والجوية.حسب تضاريس البلد.. وتعتمد هذه الشبكات في توسيع دائرة انتشارها على ما يصيب النفوس من ضعف، أو فراغ، أو ضيق، أو بحثٍ زائفٍ عن لذةٍ مؤقتةٍ أو هروبٍ وهميٍّ من واقع الحياة، فتنشر بضاعتها المحرمة في الأحياء والمدارس والأسواق، مستهدفةً الشباب والناشئة في مقتبل أعمارهم، ليكونوا وقوداً لهذا الشر المستطير.
من يقف وراء هذه الشبكات؟
خلف هذا المدّ المدمّر تقف عصاباتُ منظمةٌ، وعقولٌ مأجورةٌ، لا يردعها دينٌ ولا خلقٌ ولا ضمير؛ هم تجّار الموت، الذين لا يهمهم إلا جمع المال الحرام، ولو كان ثمنه تدمير أجيالٍ بأكملها. ينسجون علاقاتٍ مشبوهة، ويستخدمون وسائل متطورة، ويتداخلون أحياناً مع فسادٍ إداريٍّ أو أمنيٍّ في بعض المواقع ، ليضمنوا استمرار تدفق سمومهم، متجاهلين ما يلحق بالأفراد والأوطان من ويلاتٍ ومآسٍ.
أثار تمتد وتتعمق
على الفرد: هي سمٌّ يسري في الجسد فيهلكه، ويدخل العقل في ضبابيةٍ فلا يدرك ولا يعي، ويكسر الإرادة فلا يملك قراراً ولا عزيمة؛ تُذهب الصحة، وتُفقد المال، وتهدم الثقة، وتقود صاحبها إلى دروب الانحراف والجريمة والمرض والانحطاط، حتى يصبح كالشجرة التي اقتُلعت من جذورها. وعن خطورة ما يذهب العقل ويُفسد الحياة، قال رسول الله ﷺ: (كل مسكر خمر، وكل خمر حرام) .
وعلى المجتمع: هي نارٌ تأكل من تماسكه، وتُفكك أواصر أسره، وتزيد معدلات الجريمة والفقر والبطالة، وتُهدر طاقات الشباب التي هي عماد المستقبل؛ فحيثما استقرّت المخدرات، ضعف البنيان، وقلّ الأمن، وانتشر الفساد، وتعثرت مسيرة التنمية والبناء. وكما قيل : من أضاع صحته ووعيه، فقد أضاع حياته ومستقبله، ومن سهّل دخول هذه الآفة إلى مجتمعه، فقد خان أمانة أهله ووطنه) .
ختاماً….
كما قلتُ في مطلع كلمتي: لستُ أول من كشف هذا الستر، ولا آخر من سيرفع صوت التحذير؛ فما دامت هذه الآفة قائمة، فلا بدّ من الكلمة الصادقة، والجهد المتواصل، والوعي الشامل، لتبقى الأجيال في مأمن، ويبقى المجتمع محصناً قوياً أمام ما يُراد به من ضررٍ وانهيار.
بقلم الإعلامي والكاتب : علي بن إدريس المحنشي

إرسال التعليق