قائدٌ بلا منصب… ورائدٌ بلا موكب
المقالات : علي بن إدريس المحنشي..
يظن كثير من الناس أن القيادة لا تبدأ إلا من كرسيٍ وقرار، وأن التأثير لا يولد إلا من منصبٍ وصلاحية، وأن الاحترام تصنعه الألقاب. غير أن الواقع يثبت في كل يوم أن أعظم القادة لم تبدأ رحلتهم بمكتبٍ فاخر، وإنما بدأت بقيمٍ راسخة، وأخلاقٍ عالية، وعملٍ صادق.
فالقيادة ليست اسمًا يُكتب على باب المكتب، ولا توقيعًا يُذيل به الخطاب، وإنما هي فن التأثير في العقول، وكسب القلوب، وصناعة الفرق أينما كنت.
كم من شخصٍ يشغل أعلى المناصب، ولكنه لا يملك من الناس إلا طاعةً مؤقتة فرضتها الأنظمة، وكم من إنسانٍ لا يحمل أي صفةٍ قيادية، لكنه إذا تحدث أُنصت إليه، وإذا بادر تبعه الآخرون، وإذا غاب شعر الجميع بفراغ مكانه. لأن القيادة الحقيقية تُمنح بالثقة، لا بالسلطة.
إن القائد قبل أن يقود الآخرين، يقود نفسه. ينتصر على كسله قبل أن يطلب من غيره الإنجاز، ويضبط انفعالاته قبل أن يطالب الآخرين بالحكمة، ويكون قدوةً بأفعاله قبل أن يكون موجهًا بكلماته.
ومن أراد أن يكون قائدًا وهو ليس في موقع القيادة، فليجعل الإتقان عنوانه، والمبادرة منهجه، والاحترام لغته، وتحمل المسؤولية شعاره. فهذه الصفات لا تحتاج إلى قرار تعيين، وإنما تحتاج إلى شخصيةٍ تعرف قيمتها ورسالتها.
القيادة لا تعني أن تكون الأكثر حديثًا، بل أن تكون الأكثر أثرًا. ولا أن تسبق الناس بخطوة، بل أن تأخذ بأيديهم نحو النجاح. فالقائد الحقيقي لا يبحث عن الأضواء، وإنما يجعل من حوله أكثر إشراقًا.
وحين تتعامل مع الناس، لا تجعل همّك أن تثبت أنك الأفضل، بل اجعل همّك أن تكون سببًا في أن يصبحوا أفضل. فهذه هي القيادة التي تبقى، وهذا هو الأثر الذي لا تمحوه الأيام.
فالقيادة طموحٌ يُترجم إلى عمل، ورسالةٌ تُبنى بالمواقف، وليست امتيازًا يُمنح بالألقاب.
تذكّر دائمًا أن المنصب قد يفتح لك الأبواب، لكن الأخلاق وحدها تفتح لك القلوب. وأن السلطة قد تجمع الناس حولك، أما حسن التعامل فيجعلهم يلتفون معك. وأن القائد الذي ينتظر المنصب ليبدأ تأثيره، قد يضيع عمره في الانتظار، بينما القائد الحقيقي يبدأ من مكانه، فيصنع أثرًا يسبق وصوله إلى أي منصب.
ختاماً….
كن قائدًا في التزامك، قائدًا في أخلاقك، قائدًا في عطائك، وقائدًا في مبادرتك، فإن الناس لا تتبع من يعلو عليهم، وإنما تتبع من يسمو بهم.
بقلم الإعلامي والكاتب : علي بن إدريس المحنشي..

3 comments