اذا غابت المودة حضرت الشدة.. الزواج الفارغ وآثاره الممتدة
المقالات : علي بن إدريس المحنشي
في ظل تسارع وتيرة الحياة، وتغيّر المفاهيم الاجتماعية، وانتشار الأفكار الوافدة عبر منصات التواصل الاجتماعي، ظهر في الآونة الأخيرة مصطلحان جديدان بدآ ينتشران بين فئات من المجتمعات، وهما «الزواج الفارغ» و«التعايش الوظيفي». ويروّج لهما بعض الناس على أنهما حلول عملية وعصرية، تهدف إلى تخفيف الأعباء المادية، أو تجنب متطلبات الحياة الزوجية التقليدية، أو تحقيق مكاسب اجتماعية أو نفسية مؤقتة.
لكن وراء هذه المسميات البراقة يكمن واقع مختلف تماماً، يفرغ علاقة الزواج من جوهرها ومعناها، ويجردها من أهدافها السامية التي أرادها الله سبحانه وتعالى لهذه المؤسسة العظيمة. وخوفاً من وصول هذه الشرارة إلى مجتمعنا، فإن الوقاية منها مسؤولية مشتركة تتطلب تضافر جهود الأسرة، والمنبر، والمؤسسات التربوية والإعلامية.
تعريف الظاهرة وطبيعتها
يمكن تعريف (الزواج الفارغ» أو «التعايش الوظيفي) بأنه علاقة تجمع بين رجل وامرأة، إما بعقد شكلي لا تتحقق فيه مقاصد الزواج، أو دون عقد أصلاً، وتقتصر فيها العلاقة على أداء مهام معينة أو تلبية حاجات محددة متبادلة، كالسكن المشترك، أو تقاسم النفقات، أو توفير الغطاء الاجتماعي، دون أن يصاحب ذلك شعور بالسكينة، أو توفر المودة والرحمة، أو الرغبة في بناء أسرة مستقرة، أو تربية الأبناء، أو تحمل المسؤوليات الكاملة التي يفرضها الزواج الحقيقي.
وهذه العلاقة تقوم في جوهرها على مبدأ (المنفعة المتبادلة) فقط، فهي تشبه في طبيعتها العقد الوظيفي أو الاتفاق التجاري، بحيث تستمر ما دامت المصالح قائمة، وتنتهي فور زوالها أو تعرضها لأي خلاف، دون أن تربطها روابط عاطفية أو أخلاقية أو دينية راسخة.
مقاصد الزواج في الميزان الشرعي
لقد شرع الله سبحانه وتعالى الزواج لغايات نبيلة، تجعل منه ميثاقاً غليظاً وبناءً متيناً، وليس مجرد علاقة مؤقتة أو اتفاقاً وظيفياً. وقد أوضح القرآن الكريم هذه المقاصد في قوله تعالى:
(وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)
فالغاية الأساسية هي السكينة النفسية، والمودة التي تربط القلوب، والرحمة التي تدفع إلى التسامح والتعاون، وهي معانٍ تغيب تماماً عن علاقات (الزواج الفارغ) التي تقوم على الحساب والمصلحة فقط.
كما وصف الله الزواج بأنه «ميثاق غليظ»، فقال تعالى:
(وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا)
والميثاق الغليظ يعني العهد الوثيق الذي يقتضي الالتزام والوفاء والاستمرار، وليس مجرد اتفاق يمكن فسخه متى شاء أحد الطرفين لمجرد اختلال توازن المصالح.
وفي السنة النبوية تتضح صورة الزواج الصحيح وأهدافه، فقد قال رسول الله ﷺ:
(إن الدنيا متاع، وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة التي إذا نظر إليها سرته وإذا أمرها أطاعته وإذا غاب عنها حفظته في نفسها وماله) رواه مسلم.
وقال ﷺ:
(خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي) رواه الترمذي.
فهذه النصوص تؤكد أن الحياة الزوجية ليست مجرد علاقة تقوم على تبادل المصالح، وإنما هي ميدان للمودة والرحمة، وحسن العشرة، وبذل المعروف، والتعاون على بناء أسرة مستقرة تقوم على السكينة والوفاء.
حكم هذه العلاقة وآثارها
من الناحية الشرعية، فإن أي علاقة بين رجل وامرأة لا تكتمل فيها أركان عقد الزواج الصحيح وشروطه، فهي علاقة باطلة لا تعترف بها الشريعة، ولا تترتب عليها أحكام الزواج الصحيح، مما يعرض الحقوق للضياع، ولا يحفظ الأنساب، ولا يوفر الضمان الشرعي للطرفين أو لأي أبناء قد يأتون نتيجة هذه العلاقة.
أما إذا كان العقد مستوفياً للأركان والشروط الشرعية، فإن صحة العقد شيء، وتحقيق مقاصد الزواج وحسن العشرة شيء آخر، فقد يصح العقد شرعاً مع وجود خلل في بعض المقاصد أو ضعف في المودة والرحمة، وهو أمر يحتاج إلى الإصلاح والمعالجة.
ومن الناحية النفسية والاجتماعية، فإن العلاقة التي تقوم على الحساب والمصلحة وحدهما تخلق حالة من القلق المستمر وانعدام الثقة، إذ يظل الطرفان في حالة ترقب لما قد يطرأ على المصالح من تغير، ولا يشعران بالاطمئنان الذي هو أساس الحياة الزوجية.
وقد أثبتت التجارب الإنسانية أن العلاقات التي تقوم على المنفعة المجردة غالباً ما تكون أكثر عرضة للتفكك، وتترك وراءها آثاراً سلبية على الأفراد والمجتمع. فما قام على المنفعة زال بزوالها، وما بُني على المودة والرحمة كان أرسخ وأبقى.
إن انتشار مفاهيم «الزواج الفارغ» و«التعايش الوظيفي» مؤشر يدعو إلى التأمل، ويعكس حاجة المجتمع إلى التمسك بالقيم الدينية والمفاهيم الأصيلة التي تحفظ استقراره. فالزواج نعمة عظيمة ومنحة ربانية، واختيار لحياة كريمة، لا ينبغي تحويله إلى مجرد وسيلة لتحقيق أغراض مؤقتة.
فلنحرص على أن تكون علاقاتنا الزوجية قائمة على ما شرعه الله، وتحقق معاني السكينة والمودة والرحمة، فبذلك نضمن لأنفسنا السعادة الحقيقية، ولأبنائنا وأجيالنا القادمة مستقراً آمناً، يبني مجتمعاً قوياً متماسكاً.
ختاماً….
بالسكن تدوم الألفة، وبالمودة تستقيم الحياة، وبالرحمة تزدهر الأسرة وتطمئن القلوب.
بقلم الإعلامي والكاتب : علي بن ادريس المحنشي

تعليق واحد