زواج أم استعراض؟
في زمنٍ أصبحت فيه المناسبات تُقاس بحجم الإنفاق وعدد الحضور وكثافة التغطية الإعلامية، يبرز سؤالٌ يستحق التأمل: هل ما زال الزواج ميثاقًا لبناء أسرة، أم تحوّل عند البعض إلى موسمٍ للاستعراض الاجتماعي؟
تبدأ رحلة المبالغة أحيانًا منذ إعلان الخطبة، ثم تتوالى الحفلات والتجهيزات والتكاليف حتى يصبح الزواج مشروعًا ماليًا مرهقًا، لا مناسبةً سعيدة لبداية حياة جديدة. وبين الرغبة في الفرح المشروع، وضغوط المجتمع والمقارنات، يجد كثير من الشباب أنفسهم أمام أعباء تثقل كاهلهم لسنوات طويلة.
المشكلة لا تكمن في الاحتفال أو إظهار الفرح، فالإسلام أباح ذلك وشجّع عليه، وإنما في تحويل المناسبة إلى ساحة تنافس تُقاس فيها المكانة الاجتماعية بحجم الصرف وعدد الذبائح وفخامة القاعات والزينة. وهنا يفقد الزواج شيئًا من معناه الحقيقي، ويتحوّل من مشروع استقرار إلى سباق مظهري لا نهاية له.
المؤسف أن بعض هذه الممارسات لا تستند إلى حاجة حقيقية أو مطلب شرعي، بل إلى الخوف من كلام الناس أو الرغبة في مجاراة الآخرين. فينفق البعض لأن غيره أنفق، ويبالغ لأن غيره بالغ، حتى أصبحت العادات في بعض الأحيان أقوى تأثيرًا من المنطق والحاجة.
والحقيقة التي تؤكدها التجارب أن نجاح الزواج لا يُقاس بحجم الحفل، بل بقدرة الزوجين على بناء بيتٍ قائم على المودة والرحمة والتفاهم. فكم من زواجٍ بسيطٍ بارك الله فيه فدام واستقر، وكم من احتفالٍ ضخمٍ لم يكن ضمانةً للسعادة أو الاستمرار.
إن المجتمع اليوم بحاجة إلى إعادة ترتيب الأولويات، وإلى نشر ثقافة التيسير والاعتدال، خصوصًا في ظل التحديات الاقتصادية التي يواجهها كثير من الشباب. فالتخفيف من أعباء الزواج ليس تقليلًا من قيمة المناسبة، بل حمايةٌ لها من أن تتحول إلى عبءٍ يطغى على أهدافها السامية.
ويبقى الزواج في جوهره بداية حياة، لا مناسبة استعراض. والبركة لا تُصنع بكثرة الإنفاق، بل بحسن الاختيار وصدق النية والتوفيق من الله. فكل ريال يُنفق في غير موضعه قد يحتاجه الزوجان لاحقًا لبناء مستقبلٍ أكثر استقرارًا وأمانًا.
فالزواج الناجح تصنعه القلوب المتفاهمة، لا المظاهر المتنافسة.
بقلم رئيس مجلس إدارة صحيفة أصداء المناطق الإلكترونية
مسعود بن جابر جبران الفيفي



إرسال التعليق