×

«”وينك؟”.. بين عتابِ اللقاءِ وغيابِ الوفاء»

المقالات : علي بن إدريس المحنشي

ثمة كلمات تُقال لتجبر الخواطر، وأخرى تُقال لتبرير التقصير؛ وكلمة “وينك؟” حين تأتي بعد طول انقطاع، تقف حائرة بين مودةٍ يُرجى وصالها، وبين عتابٍ يفتقر لصدق السؤال. فليس كل نداءٍ اشتياقاً، ولا كل سؤالٍ وفاءً، بل العبرة بمن سقى غرس الود قبل أن يذبل، وبحث عن رفيقه قبل أن يرحل.

كلمة قصيرة، لكنها تحمل في طياتها الكثير من المعاني، وتتردد كثيراً على ألسنة بعض الناس، خاصة أولئك الذين انقطعت حبال تواصلهم، وغابت رسائلهم، وخفتت أخبارهم؛ فإذا صادفوك بعد طول غياب، أو رأوك مصادفة في طريق أو مناسبة، كانت أول عبارة يلقونها عليك: “وينك؟” وكأنهم كانوا يبحثون عنك في كل حين، أو كأنهم أصحاب المبادرة والفضل في السؤال والوصال.

والحقيقة أن العلاقات لا تُبنى على العتاب وحده، ولا تُحفظ بكلمة تُقال عند اللقاء، بل تُسقى بالاهتمام، وتُروى بالسؤال، ويحييها صدق التواصل. فمن افتقدك حقاً، بحث عنك، ومن أحب قربك، سأل عنك، ومن قدّر مكانتك، لم يجعل المسافات عذراً ولا الانشغالات حاجزاً.
فالصلة ليست كلمات تُقال عند المصادفة، بل أفعال تُمارس قبل العتاب، ومواقف تُثبت صدق المودة. وحين تسمع “وينك؟” من شخص لم يطرق بابك يوماً، ولم يسأل عن حالك شهراً أو عاماً، فابتسم بلطف، وأدرك أن بعض الناس يحبون إلقاء مسؤولية الغياب على غيرهم، مع أن العلاقة طريق ذو اتجاهين، لا يسير فيه طرف واحد.

وقد قيل في الحكمة: “من أراد الودّ، لم ينتظر المناسبة ليسأل، بل جعل السؤال عادة، والاهتمام عبادة”.
وقال الشاعر:
إذا المرءُ لم يسألْ عليكَ تكرماً .. فدَعْهُ ولا تُكثرْ عليه التأسُّفا

فليس كل من قال: “وينك؟” كان مشتاقاً، وليس كل من غاب كان مقصراً، ولكن تبقى القلوب الصادقة هي التي تعرف طريقها إلى الأحبة، ولو باعدت بينها الأيام. فالعلاقات الجميلة لا يحفظها العتاب المتأخر، وإنما يحفظها السؤال المبكر، والاهتمام الصادق، والود الذي لا ينتظر مناسبة ليظهر، ولا لقاءً عابراً ليُثبت وجوده.

ختاماً..
إنَّ أثمن ما نملكه هو الإنسان الذي لا يتركنا لتساؤلات الغياب، فكن أنت المبادر بالوصل، ولا تجعل سؤالك مجرد ردة فعلٍ لمصادفة عابرة.

بقلم : الإعلامي والكاتب : علي بن ادريس المحنشي

تعليق واحد

comments user
ابو فيصل

رررروعه تصف الحال الحاصل الان مع كثرة مشاغل الحياة

إرسال التعليق