من الهواية إلى الرواية… حين يصنع الشغف الحكاية
المقالات : علي بن إدريس المحنشي
في هذه الحياة، يملك الإنسان ميولاً كثيرة، لكن القليل منها فقط يتحول إلى شغفٍ حقيقي، وأندر منه ما يصبح عملاً يحمل المعنى والأثر. فالهواية هي ما نفعله لأننا نحب، أما الشغف فهو ما نفعله لأن أرواحنا تجد فيه ذاتها؛ فإذا اجتمع الشغف مع العمل، أصبح الجهد متعة، والتعب إنجازاً، والنجاح أثراً لا ينقطع.
الهواية قد تبدأ كهروبٍ جميل من ضغوط الحياة، لكنها حين تُروى بالاجتهاد، وتُصقل بالمعرفة، قد تصبح باباً واسعاً للتميز والإبداع. كم من رسّامٍ بدأ بخطوطٍ عابرة فأصبح فناناً، وكم من كاتبٍ بدأ بكلماتٍ متناثرة فأصبح صاحب رسالة تُلهم العقول؛ فليست القيمة فيما تبدأ به، بل فيما تصنعه منه.
وقد وجّه الإسلام إلى إتقان العمل وربطه بالإحسان، فقال الله تعالى:
(وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ)
وهذه الآية تُرسّخ أن العمل ليس مجرد وظيفة، بل مسؤولية ورسالة تُرى آثارها. وقال رسول الله ﷺ: (إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه) فالإتقان هنا هو الجسر الذي ينقل الهواية من دائرة المتعة الشخصية إلى فضاء الإنجاز الحقيقي.
غير أن الشغف وحده لا يكفي؛ فكم من موهوبٍ أخفق لأنه اكتفى بالحب دون انضباط، وكم من ناجحٍ بلغ القمة لأنه حوّل شغفه إلى التزام. فالشغف هو النار الأولى، لكن الاستمرارية هي الوقود. ومن أبلغ الحِكم في هذا المعنى:
ليس هناك راحة أعمق من تعبٍ يعقبه إنجاز، ولا نجاح أبهى من شغفٍ تكلله المثابرة.”
لأن من يعمل بقلبه لا يشعر بطول الطريق كما يشعر به من يسير مُكرهاً.
وقال الشاعر:
على قدرِ أهلِ العزمِ تأتي العزائمُ ** وتأتي على قدرِ الكرامِ المكارمُ
فالنجاح ليس وليد الأمنيات، بل ثمرة شغفٍ صادق، وعملٍ دؤوب، وصبرٍ طويل. إن الفرق بين الهواية والعمل، أن الهواية تُسعد صاحبها، أما العمل بالشغف فيُسعد صاحبه ويصنع أثراً في الحياة. لذلك، لا تحتقر هواية تسكن قلبك، فقد تكون بذرة رسالتك الكبرى. ازرعها علماً، واسقها صبراً، وسترى كيف يتحول ما تحب… إلى ما يرفعك.
ختاماً…
الإنسان حين يعمل فيما يحب، لا يكسب رزقاً فقط… بل يصنع معنىً ويُخلّد ذِكرى.
بقلم الإعلامي والكاتب : علي بن ادريس المحنشي



إرسال التعليق