بين وَهْم الاستقطاب وغياب التعاقب
المقالات : سعيد مسروح
في مسيرة التحول الطموحة التي تشهدها المنظمات تبرز التساؤلات الجوهرية حول “هوية القيادة” ومصادر استقائها، لا يختلف اثنان على أن التطوير يتطلب دماءً جديدة وعقليات منفتحة، لكن الإشكالية تكمن حين يتحول الاستقطاب الخارجي إلى خيار استراتيجي أوحد، مما يؤدي بمرور الوقت إلى تهميش الكفاءات الوطنية التي نشأت وتمرست داخل أروقة الوزارة.
أزمة الثقة وتهميش الخبرة التراكمية : إن الإفراط في الاعتماد على قيادات من خارج المنظومة، رغم كفاءتهم في مجالاتهم الأصلية، قد يخلق فجوة في “الفهم السياقي” لطبيعة العمل، فالقيادة داخل الوزارة والهيئة والشركة ليست مجرد إدارة موارد، بل هي إدراك عميق لثقافة الميدان، وتحديات، وطبيعة العلاقة بين مقدم الخدمة والمستفيد.
التحديات المترتبة على هذا النمط:
• هجرة الكفاءات: عندما يشعر الكادر الداخلي بوجود “سقف زجاجي” يمنعه من التطور القيادي، تصبح الجهة بيئة طاردة للخبرات التي استثمرت الدولة في تأهيلها لسنوات.
• انخفاض الروح المعنوية: غياب مسار وظيفي قيادي واضح للكوادر الداخلية يولد شعوراً بالاغتراب الوظيفي، مما يؤثر سلباً على الإنتاجية والانتماء.
• صعوبة التكيف: غالباً ما تصطدم القيادات المستقطبة ببيروقراطية أو خصوصية لا تدرك أبعادها، مما يؤدي إلى تعثر في اتخاذ القرارات أو تطبيق استراتيجيات لا تتواءم مع الواقع الفعلي.
نحو توازن قيادي مستدام: إن بناء منظومة رائدة يتطلب مزيجاً متوازناً؛ فلا غنى عن الرؤى الخارجية التي تنقل التجارب الناجحة، ولكن يجب ألا يكون ذلك على حساب صناعة القائد الداخلي.
( إن الكفاءات التي عركت الميدان وتدرجت في القطاع تمتلك “المعرفة الضمنية” التي لا يمكن استيرادها، وهي الأقدر على قيادة التغيير من الداخل بمرونة وسلاسة ).
الخاتمة: غياب التعاقب الوظيفي..( الثغرة الكبرى )
إن الاستثمار في الكوادر الداخلية ليس مجرد خيار إداري، بل هو صمام أمان لضمان استدامة التميز، ولعل المعضلة الحقيقية التي تواجه المنظمات تكمن في غياب التطبيق الفعلي لنظام “التعاقب الوظيفي” (Succession Planning)، فما يزال هذا النظام في كثير من الأحيان مجرد إجراءات ورقية وصورية لا تلامس أرض الواقع، ولا تُفضي إلى صناعة صف ثانٍ مؤهل تأهيلاً حقيقياً لتسلم الزمام.
وعليه نحن بحاجة ماسة لتحويل التعاقب الوظيفي من “ملفات مركونة” إلى “استراتيجية حية” تُعنى بتحديد المواهب الداخلية وصقلها، وفتح الأبواب أمامها للمشاركة في صنع القرار، فالريادة الحقيقية تبدأ بتقدير من بنوا المداميك الأولى، وتوفير المسار المهني الذي يضمن انتقال القيادة بسلاسة وموثوقية، بدلاً من الركون الدائم لخيار الاستقطاب الخارجي الذي قد يعالج العرض ويغفل عن أصل العلة.
لـذا ببساطة، بناء منظومة مستدامة يتطلب الانتقال من “التعاقب الورقي” إلى “التمكين الحقيقي” عبر بناء مسارات قيادية واضحة تمنح الكفاءات الداخلية الفرصة لإثبات جدارتها، فالريادة لا تتحقق باستيراد القيادات فحسب، بل في القدرة على صناعتها واستبقائها، لضمان انتقال سلس للخبرات يحفظ للمنظومة استقرارها وهويتها الأصيلة.
الأثـر : الكفاءات داخل المنظمة ترحل لأنها لا ترى مساراً للنمو، والكفاءات المستقطبة ترحل لأنها لم تجد بيئة تحتضن طموحها، مما يدخل القيادة في دوامة تآكل المعرفة المؤسسية وهدر التكاليف.
بقلم الإعلامي والكاتب : سعيد بن علي الشهران



تعليق واحد