صداقات أون لاين … لكنها صادقة المعنى
المقالات : علي ابن إدريس المحنشي
في زمنٍ عجّت فيه مواقع التواصل الاجتماعي بالوجوه والأسماء المستعارة، وازدحمت فيه المساحات الرقمية باللقاءات العابرة، نشأت بين ثنايا هذا العالم صداقات من نوعٍ آخر… صداقات بلا ملامح، لكنها صادقة المعنى.
لم تعد العلاقة مرهونة بمصافحةٍ أو لقاء، بل أصبحت كلمة طيبة، وموقف صادق، واهتمام عابر كفيلًا بأن يصنع رابطًا عميقًا بين روحين لم تلتقِ أعينهما يومًا. هناك، خلف الشاشات، تتلاقى الأرواح قبل العيون وتبني جسور الودّ من صدق الشعور لا من وضوح الصورة.
هي صداقاتٌ صادقة. تُواسيك عند أتراحك، وتُهنئك عند أفراحك، وتدعو لك بالشفاء إن مرضت… كأنها قلوبٌ تعرفك رغم أنك لا تعرفها، وتشعر بك دون أن ترى ملامحك.
هذه الصداقات لا تُقاس بالقرب المكاني، بل بالقرب الروحي؛ حيث تجد من يُصغي إليك دون أن يراك، ويُخفف عنك دون أن يعرف تفاصيلك، وكأن الأرواح تتعارف في الخفاء، فتتآلف دون موعد.
وقد أشار المعنى العظيم إلى هذا الارتباط الخفي في قوله تعالى:
(وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ)
فالألفة الحقيقية ليست صنيعة الشكل، بل هبة تُزرع في القلوب.
وفي الحديث الشريف، قال ﷺ:
(الأرواح جنود مجندة، ما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف)
وكأن هذا الحديث يختصر الحكاية كلها؛ فبعض الأرواح تلتقي. دون لقاء.
وفي زحام الحياة، تبقى الحكمة تقول:
ليس القرب أن تكون بجانب أحد، بل أن تكون في قلبه.
فلا تستهن بصداقةٍ لم ترَ ملامحها، فقد تكون أصدق من ألف وجهٍ تراه كل يوم. وأقرب من ألف يدٍ صافحتها.
ختاماً ….
صداقات بلا ملامح، لكنها صادقة المعنى. لا لشيء الا إنها صدقت معك.
هي تلك التي إذا غابت، افتقدتها الروح….
بقلم الإعلامي والكاتب : علي بن ادريس المحنشي



إرسال التعليق