مهلاً… قبل أن تتحدث أو تنشر
المقالات : علي ابن إدريس المحنشي
في زمنٍ تتسارع فيه الأخبار، وتتزاحم فيه الآراء، يصبح التحري عمّا نرى ونسمع خُلُقًا لا غنى عنه، وعلامةً على رقيّ الفكر ونضج النفس. فليس كل ما يُنقل حقًّا، ولا كل ما يُشاع صدقًا؛ وبين السمع والبصر مساحةٌ تحتاج إلى عقلٍ يميّز، وقلبٍ يتأنّى.
وقد أرشدنا القرآن الكريم إلى هذا الأصل العظيم، فقال تعالى:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا)
فالتبيّن منهجٌ رباني، يحفظ للإنسان دينه وعقله، ويصون المجتمع من الفوضى وسوء الظن. وهو دعوة صريحة إلى ألا نكون معابر للأخبار، بل محطاتٍ للفحص والتمحيص.
ويأتي التوجيه النبوي ليضع ميزانًا دقيقًا للكلمة، فيقول ﷺ:
(كفى بالمرء كذبًا أن يُحدِّث بكل ما سمع)
فليس الكذب فقط في اختلاق الحديث، بل قد يكون في نقله دون تحقق؛ لأن في ذلك تضليلًا، وإشاعةً لما قد لا يكون صحيحًا.
إن التحري ليس شكًّا في الناس، بل هو عدلٌ في الحكم، وأمانةٌ في النقل. فالعاقل لا يُسارع إلى التصديق، ولا يندفع إلى النشر، بل يقف لحظة تأمل: هل هذا حق؟ ما مصدره؟ ما أثره إن نُشر؟
ومن هنا يتجلّى الفرق بين من يقوده الخبر، ومن يقود الخبر بعقله.
قال الله تعالى:
(وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ)
أي لا تتبع ما لا تعلم حقيقته؛ فالمسؤولية لا تقف عند القول، بل تمتد إلى السمع والبصر والفؤاد، وكلها موضع مساءلة.
وليس التحري خُلُقًا فرديًّا فحسب، بل هو صمّام أمانٍ للوطن والمجتمع؛ فكم من شائعةٍ أو خبرٍ مُحرّف أشعل فتنة، أو زعزع أمنًا، أو أفسد علاقات. وحين يلتزم الأفراد بالتثبّت، تتماسك الصفوف، وتُحفظ اللحمة، ويُصان الاستقرار. فسلامة الأوطان لا تقوم على الحدود وحدها، بل على وعي أبنائها، ونزاهة ما ينقلونه ويتداولونه.
ومن ارتقى في هذا الخُلُق، أصبح حديثه موزونًا، ونقله مأمونًا، ونظرته للأحداث أكثر عمقًا واتزانًا. فلا تهزّه الشائعات، ولا تستخفّه العناوين، بل يبقى ثابتًا على مبدأ: الحق أحق أن يُتّبع، لا أسرع من ينشُر.
واخيراً…
يبقى التحري عمّا نرى ونسمع بابًا من أبواب التقوى، ودليلًا على وعيٍ حيّ؛
فالكلمة أمانة، والخبر مسؤولية، ومن أحسن التثبّت… أحسن النجاة، وحفظ نفسه ومجتمعه ووطنه…
بقلم الإعلامي والكاتب : علي أبن ادريس المحنشي



تعليق واحد