العطاء والبناء روح الوطن المستمرة
المقالات : علي ابن إدريس المحنشي
لم يكن العطاء مجرد بذلٍ عابر، بل التزامًا راسخًا تجاه الإنسان والمكان، والبناء لم يكن تشييدًا للحجر وحده، بل تشييدًا للوعي، وترسيخًا للقيم، وصناعةً لمجتمعٍ قادرٍ على مواجهة التحديات وصياغة المستقبل.
إن المتأمل في مسيرة المملكة يرى كيف امتدّ خيط التأسيس عبر القرون، متصلًا بحاضرٍ مزدهر، يترجم قيم الأمس إلى منجزات اليوم. فكل مشروع تنموي، وكل إنجاز حضاري، وكل خطوة نحو المستقبل، امتداد لتلك اللحظة الأولى التي آمنت بأن بناء الإنسان هو أعظم استثمار، وأن استقرار الأوطان يبدأ من ترسيخ المبادئ.
ويوم التأسيس دعوة للتأمل في سرّ الوطن؛.
وطن جعل من العطاء ثقافة مجتمعية، ومن العمل المشترك سبيلًا للنهضة، ومن الوفاء للماضي وقودًا للحاضر. فالماضي هنا ليس زمنًا مضى، بل ذاكرة حيّة تصنع الوعي، والحاضر ليس محطةً عابرة، بل جسر نحو آفاق أرحب.
وقد رسّخت الشريعة الإسلامية هذا المعنى، فنهى الله تعالى عن الإفساد في الأرض بعد إصلاحها، قال تعالى (وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا)
وهذ توجيه رباني يرسّخ مسؤولية الإنسان في حفظ أمن وطنه واستقراره وبنائه. كما جسّد النبي ﷺ أسمى معاني الانتماء حين خاطب مكة قائلًا: (والله إنكِ لأحب أرض الله إليَّ، ولولا أن قومكِ أخرجوني منكِ ما خرجت) في دلالة واضحة على أن حب الوطن والمحافظة عليه قيمة أصيلة، ومسؤولية دينية وأخلاقية، وركيزة من ركائز البناء والاستقرار.
ختاما…
يظل الوطن حكاية تُروى على صفحات الزمن، وجذور تضرب في عمق التاريخ لتورق مستقبلًا لا ييبس. هو ذاكرة تنبض بها القلوب، وعهد من الوفاء يتجدّد مع كل جيل، ومسيرة عطاء لا تعرف التوقف. فإذا كان الماضي نور البدايات، فإن الحاضر امتداد رسالته، والمستقبل وعد تصوغه السواعد المخلصة والقلوب المؤمنة.
وهكذا يبقى الوطن مجدًا يُصان، وأثرًا يُبنى، وروحًا تسكن الإنسان قبل المكان؛ وطن إذا حفظ أبناؤه عهده، حفظ لهم استقرارهم، وإذا صدقوا الانتماء إليه، كتب لهم الخلود في تضاريسه الشامخة. دام الوطن عزًّا لا يخبو، ومجدًا لا يغيب، ونبضًا يسري في القلوب ما دامت الحياة….
اللهم ادم على وطننا أمنه وولاة امره واستقراره ورخاءه، واجعله دائمًا منارة عزّ ومجد ونماء.
بقلم الكاتب والاعلامي : علي ابن ادريس المحنشي

إرسال التعليق