رمضان: شهر قيام… لا شهر طعام
المقالات : علي ابن إدريس المحنشي
يأتي شهر الخير كل عام ليوقظ في النفوس معاني الصفاء، ويجدد في القلوب عهد القرب من الله، ويعيد للروح توازنها بعد عناء الانشغال بزخارف الحياة. فهو ليس زمنًا عابرًا في صفحات الأيام، بل محطة إيمانية عظيمة، ومدرسة ربانية تُهذّب النفس، وتسمو بالوجدان، وتعيد للإنسان حقيقة رسالته في هذه الحياة.
وحسن استقبال هذا الشهر لا يكون بالمظاهر، ولا بما اعتاده الناس من التوسع في الشهوات، وإنما يكون بإحياء القلوب، وتجديد العهود،مع الله وتصحيح المسيراليه جل جلاله.
استقبال الشهر بالتوبة الصادقة
إن أول ما ينبغي أن يُستقبل به شهر الخير توبةٌ نصوح، تُغسل بها آثار التقصير، وتُمحى بها أدران الذنوب، ويتهيأ بها القلب لتلقي نفحات الرحمة.
قال تعالى:
(وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)
فالتوبة ليست مجرد قول باللسان، بل يقظة ضمير، وانكسار قلب، وعزم صادق على الاستقامة.
الفرح ببلوغه واستشعار منزلته
ومن علامات التوفيق أن يستشعر المؤمن عظيم فضل هذا الشهر، فيستقبله بقلبٍ مشتاق، ونفسٍ متطلعة إلى رحمة الله.
قال رسول الله ﷺ:
(إذا جاء رمضان فُتِّحت أبواب الجنة، وغُلِّقت أبواب النار، وصُفِّدت الشياطين) (متفق عليه).
فهو موسم استثنائي تتنزل فيه الرحمات، وتُضاعف فيه الحسنات، وتُفتح فيه أبواب القبول لمن صدق مع الله.
فهم حقيقة الصيام وغاياته السامية
شهر الخير ليس موسمًا للموائد الفاخرة، ولا ميدانًا للأطعمة المتنوّعة والمشروبات الباردة، بل هو موسم تهذيب النفوس، وتزكية الأرواح، وإصلاح القلوب. فجوهره سموٌّ روحي قبل أن يكون إمساكًا عن الملذات، ومدرسته تقويم للسلوك قبل أن تكون عادة يومية.
قال الله تعالى:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)
فالتقوى هي غاية الصيام الكبرى، وهي ثمرة المجاهدة، ونور الاستقامة.
العزم على الطاعة
وشهر الخير فرصة لإعادة ترتيب الأولويات، وعمارة الأوقات بما ينفع من تلاوة القرآن، وقيام الليل، والصدقة، والإحسان إلى الخلق، وصلة الأرحام، فالأيام مواسم، والسعيد من اغتنمها قبل انقضائها.
صفاء القلوب والتسامح مع الخلق
ولا يكتمل استقبال هذا الشهر إلا بتطهير القلوب من الضغائن، والعفو عن الناس، والتسامح مع من أساء، فالقلب إذا صفا تجلت فيه أنوار الطاعة، وإذا امتلأ بالأحقاد حُجب عن لذة التقرب إلى الله .
التخطيط لرحلة إيمانية متكاملة
ومن الحكمة أن يدخل المسلم هذا الشهر بخطة واضحة، تجعل أيامه عامرة بالطاعة، وساعاته مشغولة بالذكر، ولياليه مضيئة بالقيام، ليخرج منه بقلب جديد وروح متجددة.
ومن الشعر في استقبال مواسم الخير
أتاك شهرُ الصومِ باليُمنِ والكرمِ
فأكرمْ به من زائرٍ طابَ بالقيمِ
فيه القلوبُ إلى الرحمنِ خاشعةٌ
ترجو الهدايةَ في سرٍّ وفي علنِ
ختاماً…..
إن شهر الخير ليس زمنًا يُستهلك، بل فرصة تُغتنم، وليس عادة تتكرر، بل ولادة جديدة للروح. فمن أحسن استقباله سعد، ومن صدق فيه مع الله ارتقى، ومن اغتنم أيامه ولياليه نال خير الدنيا والآخرة.
نسأل الله أن يبلغنا شهر الخير، وأن يعيننا فيه على الصيام والقيام، وأن يجعله شهر رحمة ومغفرة وعتق من النار، وأن يكتب لنا فيه القبول والإخلاص في القول. وحسن العمل.
الكاتب والإعلامي : علي ادريس المحنشي



إرسال التعليق