حين يتكلم القلب
المقالات : علي بن إدريس المحنشي
في زمنٍ ازدحمت فيه الأصوات، وتكاثرت الحجج، لم يعد الخطاب العقلي وحده كافيًا لإحداث الأثر العميق في النفوس؛ فالعقل قد يُقنع، لكنه لا يضمن أن يُحرّك، أما القلب إذا خُوطِب بصدق، فإنه يلين، ويُصغي، ثم يقود العقل إلى الاقتناع طوعًا لا كرهًا. وهنا تتجلّى الحكمة الخالدة: خاطبوا القلوب قبل العقول.
القلب موطن التأثير
القلب هو بوابة القبول والرفض، وموضع الإيمان والنية، ومنه تبدأ رحلة التغيير الحقيقي. قال الله تعالى:
﴿أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها﴾ (الحج: 46)،
فجعل الفهم مرتبطًا بالقلب، دلالة على أن الإدراك الصادق ينطلق من الداخل قبل أن يتجلى في التفكير الظاهر.
وحين وجّه القرآن خطابه إلى القلوب قبل العقول، خشعت النفوس قبل أن تدرك التفاصيل، قال تعالى:
﴿إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد﴾ (ق: 37)،
فجعل الانتفاع مرهونًا بحضور القلب قبل صفاء الفكر.
منهج النبوة في الخطاب
كان النبي ﷺ أعظم من خاطب القلوب، فغيّر النفوس قبل أن يُقنِع العقول، فقال:
«ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب»،
فصلاح القلب هو مفتاح صلاح السلوك والفكر معًا.
وكان ﷺ يختار من القول أليَنه وأقربه للنفوس، فيدخل الإيمان إلى القلوب دخول الماء إلى الأرض العطشى، بلا صخب ولا جدل.
الكلمة إذا خرجت من القلب
الكلمة الصادقة لا تحتاج إلى تزيينٍ مُبالغ فيه، لأنها حين تخرج من القلب تقع في القلب. وقد قيل:
ما خرج من القلب وصل إلى القلب، وما خرج من اللسان لم يتجاوز الآذان.
وقال الإمام الشافعي رحمه الله:
«خاطب الناس على قدر عقولهم، وأدخل إلى قلوبهم على قدر رحمتك بهم».
وللشعر نصيب من الحكمة:
إذا لم تُحرّكِ الكلماتُ قلبًا
فليس لها من المعنى نصيبُ
ومن الحكم البليغة:
العقل يقتنع بالحُجّة، والقلب ينهض بالرحمة.
ختامًا
إن أعظم الخطابات ليست تلك التي تُدهش العقول فحسب، بل التي تُلامس القلوب، فتوقظ الضمائر، وتُهذّب السلوك، وتبني الإنسان من الداخل. فحين نخاطب القلوب أولًا، نكسب العقول تباعًا، ونصنع أثرًا يبقى، لا جدلًا يزول .
كتبه : علي ابن ادريس المحنشي


تعليق واحد